الأحد
2026/03/1
آخر تحديث
الأحد 1 مارس 2026

مع القرآن لفهم الحياة (الحلقة السادسة)

منذ 1 ساعة
مع القرآن لفهم الحياة (الحلقة السادسة)
طباعة

ولو تتبعنا تطوّر اللغة العربية في العهد الإسلامي، لوجدنا أن مبناها ومعناها قد تأثّرا تأثرًا عميقًا بالقرآن الكريم، ثم بالحديث النبوي الشريف. فقد تسلّلت إلى الاستعمال العربي اليومي تراكيب وتعابير قرآنية أصبحت جزءًا حيًّا من النسيج اللغوي، مثل: العروة الوثقى، سنة الله، مثقال ذرة، أسوة حسنة، المثل الأعلى، بكرة وأصيلا، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وغيرها من العبارات التي استقرّت في الوجدان والبيان معًا.
وإلى جانب القرآن، كان للحديث النبوي أثرٌ بيّن في صقل الأسلوب العربي، إذ شكّل امتدادًا بيانيًا للوحي، وأسهم في ترسيخ كثير من الدلالات والتراكيب التي أصبحت جزءًا من التداول اللغوي والثقافي.(16)
وعليه، فإن اللغة العربية لم تكن مجرّد أداة تواصل، بل غدت وعاء الثقافة الإسلامية، والأداة المثلى لفهم مبادئ الدين واستيعاب أحكامه. وهي اللغة الوحيدة في العالم التي ارتبطت بالدين ارتباطًا عضويًا لا يكاد ينفصم؛ إذ هي لغة القرآن الكريم، ولغة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لقد كان للقرآن الكريم دورٌ حاسم في توجيه العربية وتطويرها وتقويمها، حتى غدا مرجعها الأعلى ومعيارها الأوثق. ومن ثمّ، فإن من أراد التعمّق في دراسة العربية وآدابها، لا مناص له من التبحّر في علوم القرآن؛ إذ كلما اتّسعت معارفه القرآنية، ازداد تمكّنه من أدوات اللغة وأسرارها.
وقد لخّص العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي هذه الحقيقة في جملة أسباب، من أبرزها:
أولًا: أن القرآن الكريم هو أول كتاب عربي مدوَّن وصل إلينا مكتمل البناء(17)، وقد انطلقت على ضوئه حركة التأليف والتدوين في علوم العربية، متأثرة بأسلوبه ومنهجه وبلاغته. فكان بذلك مظهرًا بارزًا للحياة العقلية والأدبية التي ازدهرت في الحضارة الإسلامية، ولا يُتصوَّر أن يكون هذا الكتاب بمنأى عن علوم العربية أو منفصلًا عن مسارها التاريخي.
ثانيًا: أن العربية إنما استقام نظامها وتوحّد منهجها بفضل القرآن وتأثيره الجامع، كما أن بقاءها وحفظها عبر العصور ارتبطا بحفظه. فقد كانت العربية قبل نزول القرآن لهجاتٍ متعددة متباعدة، يزداد التباين بينها بمرور الزمن. ومن ذلك لهجات: المعينية، والسبئية، والقتبانية، واللحيانية، والثمودية، والصفوية، والحضرمية. ولم يكن الاختلاف بينها مقتصرًا على النطق، بل شمل بنية الكلمة، والإبدال، والإعلال، والبناء، والإعراب.
فـ«قضاعة» مثلًا كانت تقلب الباء المشددة – أو الواقعة بعد العين – جيمًا، فيما عُرف بـ«عجعجة قضاعة». ومن شواهدهم قول شاعرهم:
خالـي عويـف وأبـو علبـــجّ
المطعمان اللحـم بالعشـــجِّ
وبالغــداة قطــع البرنـــجِّ
يؤكـل باللحـم و الصيصـــجّ
كما أن «حمير» كانت تستعمل «أم» بدل «أل» التعريف، فيما سُمّي بـ«طمطمانية حمير»، ومن ذلك قول القائل: أمن أمبر أمصيام في أمسفر؟ أي: هل من البر الصيام في السفر؟
أما «هذيل» فكانت تقلب الحاء عينًا في بعض المواضع، فيقولون: أعلَّ الله العلال بدل أحلَّ الله الحلال.
وهكذا يتّضح أن القرآن الكريم لم يكن مجرد نصّ ديني، بل كان عامل توحيد لغوي، ومِعْيارًا ضابطًا، ومرجعًا أعلى حفظ للعربية كيانها، وأرسى قواعدها، وصانها من التفتّت الذي كان يتهدّدها.
ومن هنا نفهم سرّ التلازم التاريخي بين العربية والقرآن: تلازمٍ لم يصنعه الاصطلاح، بل صنعه الوحي والتاريخ والحضارة معًا.....يتواصل....
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.

لمرابط ولد لخديم