حاب ولد محمد فال بعد ثلاث سنوات: أول سكبٍ للدمع والحبر
حتى الأمس القريب، كانت فكرةٌ تسكنني: أن أقترح على صديقي وابن عمي محمد الحافظ بلعمش ، أن يُنجَز عملٌ توثيقيٌّ حقيقي يليق بحابا العظيم، الذي أصبحت ذكراه خالدة لا تفني .
كنت أنتظر لقاءه لأحدثه بذلك مشافهةً.
وها هو الآن يصلني رثاء يذكّرنا با الذكرى الثالثة لرحيل حاب عنا قد خلت .
فتولد في داخلي رغبة أخرى: أن أستعيد أنا أيضًا هذا السكب الأول من الدمع والحبر، وأن أشاركه من جديد.
👇
خبرٌ حزين
ثلاثةُ حروفٍ ساكنةٍ وحرفُ علّةٍ واحد، كان لها وقع الزلزال في أرواحنا، ثلاثةُ حروفٍ ساكنةٍ وحرفُ علّةٍ واحد حملت معها، في يوم الجمعة 26 مايو 2023، جبالًا من القيم:
الكرم، العظمة، التواضع، البساطة، الوطنية، الشجاعة، الصبر، نكران الذات، المودة، البِشر، حسن الضيافة، الذكاء، سعة الأفق، الفصاحة، الشرف، الأخوة، العدالة…
وكل قيمةٍ فيه كانت بثقل وتجذر جبال آدرار نفسها!
أربعةُ أحرفٍ حملت معها أول ثروة تاريخية مشروعة، في موريتانيا النظيفة والكادحة؛ ثروةً كان حاب ولد محمد فال يمسكها بيده الممدودة.
ثروةً لم تسكنه يومًا، ولم تُخفَ قط في حساباتٍ خارجية.
ثروةً لم تتجاوز يومًا باب قلبه النبيل الطيب.
أربعةُ أحرفٍ حملت معها حرفين ساكنين وحرفي علّة، سهلة القراءة، عذبة الوقع، محمّلة بالعسل ومحشوة بالتمر في فم من ينطقها، وموسيقاها حين تتردد في الآذان تُهذّب الطباع، وترجف لها قلوب الأشرار والظالمين، وتبعث الفرح في نفوس الفقراء والمحتاجين.
أربعةُ أحرفٍ لكلمة الموت وارَت التراب أربعةَ أحرف: حابا.
لكن لا يهم، فقد سخّر حابا هذه الدنيا لخدمة اليوم الأخير .
أما نحن — بقايا العابرين المؤقتة — فقد أُنذرنا من قبل. لقد علّمنا الله، عبر القرآن، وعلّمنا النبي محمد صلي الله عليه وسلم ، مرشد حابل وجدّه الذي يلتحق به في هذا اليوم المبارك، حسنَ السلوك والصبر:
«إنا لله وإنا إليه راجعون».
ومع ذلك، وبرغم كل شيء، سيظل اسم حابا منقوشًا بأحرفٍ من ذهب في تاريخ وطننا وفي ذاكرتنا. ذكرى خالدة لا تزول.
لقد عرفت الرجل، لأنني سافرت معه في رحلة الحياة، وسافرنا معًا في الصحراء الموريتانية النقية المضيئة.
وسأتحدث عنه دون انتظار.
كان لا بد ببساطة أن يمتزج هذا السكب الأول من الحبر بدمعتي الأولى، ليصحب حابا إلى مثواه الأخير: الجنة، إن شاء الله.
**
محمد ولد محمد الحسن
26مايو 2023




