الخميس
2026/05/28
آخر تحديث
الخميس 28 مايو 2026

متى نُقلِع عن اجترار الأفكار المجمّدة؟(الحلقة: 2 والأخيرة)

منذ 15 ثانية
متى نُقلِع عن اجترار الأفكار المجمّدة؟(الحلقة: 2 والأخيرة)
طباعة

أهداف الساعة: بناء القوة لا تدوير الأزمات
إن هدف المرحلة الحقيقي يجب أن يكون بناء عناصر القوة الوطنية وتطوير الدولة، لا الغرق في نقاشات عقيمة تستنزف المجتمع وتعيد إنتاج الانقسامات. فالدولة القوية لا تُبنى على إدارة الحساسيات الاجتماعية فقط، بل على امتلاك مشروع وطني كبير يفتح المجال أمام التنمية والابتكار والسيادة الاقتصادية ويقضي على الفراغ.
إن المواطنة والحقوق ليست مِنحاً جماعية تمنحها القبائل أو الشرائح أو التوازنات الاجتماعية، بل هي حقوق فردية يكتسبها الإنسان بمجرد انتمائه القانوني للوطن. ولذلك، فإن الطريق الحقيقي لتمكين المواطن لا يمر عبر إعادة إنتاج الهويات الضيقة، بل عبر بناء دولة عادلة وفعالة تضمن تكافؤ الفرص، وتربط الحقوق بالكفاءة، والعمل، وسلطان القانون.
لكن المشكلة تكمن في أن الفكر السياسي السائد ما يزال قائماً على منطق "التسويات والترضيات"، لا على فلسفة البناء والتطوير. فسوق العرض والطلب السياسي في البلد لا يطلب الطموح الكبير، ولا يشجع النفس الطويل، بل يكافئ الحلول السهلة، والإيقاع القصير، وإدارة اللحظة الآنية. ولهذا السبب تحديداً، تعيش البلاد فراغاً فكرياً حقيقياً، وتتعرض لهجرة مستمرة للكفاءات والعقول الجادة التي لا تجد بيئة وطنية تستوعب طموحها.
إن أي رئيس منتخب اليوم يصبح، بقوة الواقع، مجبراً على البقاء حبيس دائرة التفكير نفسها؛ فهو لن يحمل في برنامجه تصوراً واضحاً لموريتانيا بعد عشرين أو ثلاثين سنة، لأن الثقافة السياسية السائدة لا تدعم التفكير بعيد المدى ولا تلتزم به ضمن الأهداف الانتخابية، فضلاً عن غياب نخبة ضاغطة باتجاه مشاريع استراتيجية ممتدة. وهكذا تلتقي السلطة والنخبة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تكريس هذا الفراغ واستدامة هذه الوضعية. ونتيجة لذلك، فإن أقصى ما تستطيع الحكومات تحقيقه غالباً هو إدارة الملفات اليومية، والاستجابة للمطالب الآنية، واحتواء الاحتجاجات الظرفية، دون القدرة على إحداث القفزة النوعية التي يحتاجها البلد.
إن الرئيس يصل عندنا إلى السلطة محمولاً على شبكات التحالفات التقليدية، والبيروقراطية الإدارية، والانتهازية السياسية، والأولغارشية العسكرية؛ وهي بيئة تفرض الاستجابة للمطالب الاستعجالية أكثر مما تؤسس لمشروع دولة طويل الأمد. وفي المقابل، يجد نفسه أمام نخبة تعيد إنتاج الهموم نفسها، وتتحرك داخل الدوائر المغلقة ذاتها، متوزعة بين ثلاثة خيارات رئيسية:
1 الدوران في فلك السلطة والتطبيل لها،
2 المعارضة الراديكالية القائمة على المظلومية الدائمة.د،
3 العدمية والانسحاب الكامل من المجال العام.
وفي جميع هذه الخيارات يغيب المشروع الوطني الجامع، وتغيب الأسئلة المرتبطة ببناء القوة العلمية، والتكنولوجية، والعسكرية، والاقتصادية.
فهل يمكن لبلد يريد دخول عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة أن يظل أسير هذا الإيقاع البطيء؟ وهل يمكن لعقود إضافية من إدارة الواقع بالأدوات القديمة أن تصنع دولة حديثة قادرة على المنافسة؟
إن المشكلة الحقيقية ليست في الحكومات وحدها، بل في النسق الفكري العام الذي يحكم علاقتنا بالدولة والتنمية والمستقبل. ولذلك، فإن التغيير الحقيقي يبدأ بتغيير طريقة التفكير نفسها، وتوسيع دائرة المشاركة الوطنية، واستقطاب الكفاءات، وربط الثروة الوطنية بمشروع تنموي شامل يمتد من الجنوب إلى الشمال، ومن الشرق إلى الغرب. فالبلد بحاجة إلى مشاريع استراتيجية كبرى في مجالات الطاقة، والزراعة، والصيد، والتصنيع، والرقمنة، والبحث العلمي، وتثمين الموارد المعدنية، ودمج كفاءاته المهاجرة في مراكز استشارية عليا للاستفادة من خبراتها. لابد من رؤية وبنية تحتية تستوعبان الحاجة الملحة للتطور.
نحو أفق جديد: المواطنة والمشاريع العملاقة
إن التقدم الحقيقي يتطلب رؤية استراتيجية شاملة، واستقراراً مؤسسياً، وإرادة سياسية صلبة تتجاوز الحسابات اليومية والصراعات الصغيرة؛ ولن ينجح أي مشروع وطني في غياب هذا الإطار الجامع.
صحيح أن بناء الجسور، وتنظيم القطاعات، ومعالجة الاختلالات، ومحاربة التهرب الضريبي خطوات ضرورية، لكنها لا تمثل وحدها مشروع النهوض التاريخي الذي تحتاجه موريتانيا. فالدول لا تدخل عصر القوة بالاكتفاء بالإصلاح الإداري، بل عبر بناء مشاريع عملاقة تغيّر بنية الاقتصاد والمجتمع والدولة. والأمثلة القريبة منا واضحة: رواندا خرجت من ركام إبادة جماعية عام 1994 لتبني في عقدين دولةً رقمية تستقطب الاستثمار الأجنبي وتجعل من كيغالي عاصمةً للمؤتمرات الأفريقية وتتبنى خطوة تطوير في أفق 2050 . وإثيوبيا حولت نزاعاتها الداخلية إلى طاقة كهرومائية حرفياً بسد النهضة وما تبعه من مشاريع بنية تحتية وتبنت مشروع القوة 2020-2030. والإمارات العربية المتحدة استثمرت مواردها لتبني نموذجاً عالمياً في التنويع الاقتصادي والتموضع الجيوسياسي وتتبنى مشروع الطموح 2017 ، والمغرب 2050 و المملكة العربية السعودية 2016-2030 والسينغال 2050 وجنوب أفريقيا 2012-2030، كل هذه الدول لم تنتظر حلّ إشكالياتها الهوياتية قبل البدء في الإعمار، بل وضعت حجر الأساس للبناء وهي تعالج تلك الإشكاليات أيا كانت بالتوازي.
لقد تجاوز الفكر السياسي المعاصر النقاشات القائمة على الأعراق والشرائح والهويات المغلقة، وأصبح يرتكز على مفهوم المواطنة القانونية والمؤسسات الحديثة وتكافؤ الفرص؛ إذ لا يمكن لأي دولة حديثة أن تستقر أو تتطور خارج هذا الإطار. وما تزال موريتانيا بحاجة ملحة إلى استكمال بناء أسس هذه الدولة؛ لأن استمرار النقاشات البالية لا يخلق إلا ديناميكية معطلة لفكرة الوطن، ويؤخر الانتقال إلى مرحلة الدولة القوية.
إن النخبة اليوم مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بتجديد مفاهيمها السياسية، وتحديث لغة النقاش العام، ونقل الجدل الوطني من دائرة الشكوى وإدارة الانقسامات إلى دائرة بناء القوة وصناعة المستقبل عبر طرح أسئلة عملية تملك إجابات أولية قابلة للتطبيق الفوري:
إن بناء الدولة اقتصادياً: يبدأ بربط عائدات النفط والغاز بصندوق سيادي شفاف يُستثمر في مجالات الإنتاج كالزراعة، والصيد، والتنمية الحيوانيّة، بدلاً من استنزافها في ميزانيات استهلاكية تذوب في الرواتب والدعم غير المنتج.
ويتطلب تحويل الموارد إلى ثروة مستدامة إنشاء شراكات صناعية لتصنيع المعادن محلياً وخلق قيمة مضافة، بدلاً من الاستمرار في تصديرها كأسماد ومواد خام.
ويستلزم دخول عالم التكنولوجيا:د إطلاق برنامج وطني لاستقطاب الكفاءات المهاجرة عبر تقديم حوافز حقيقية وبيئة عمل محفزة، لا مجرد شعارات ظرفية.
وتبدأ المواطنة وتكافؤ الفرص بشكل حاسم من إصلاح جذري لمنظومتي التعليم والقضاء؛ فالعدالة المؤسسية هي الضمانة الوحيدة القادرة على صهر العصبيات الضيقة.
وهنا يطرح السؤال المشروع: بأي نخبة يمكننا القيام بذلك ؟: فإذا كانت النخبة التقليدية عاجزة بهذا الشكل، فمن يحمل مشروع التغيير؟ الجواب هو أن موريتانيا تشهد بالفعل صعود جيل جديد لم يتشكّل داخل دوائر الزبونية السياسية التقليدية؛ جيل يحمل شهادات من أرقى الجامعات الأفريقية، والأوروبية، والأمريكية، ويعمل في مجالات التكنولوجيا، والمال، والبحث العلمي داخل البلد وخارجه. وجيل أقدم منه راكم الخبرة وحافظ على مصداقيته ونزاهته وشهرته خارج البلد. هذه الأجيال لا تحتاج إلى إذن من النخبة القديمة لتبدأ، ولكنها تحتاج إلى بيئة مؤسسية حاضنة وسياسات تُدمجها وتستثمر في طاقاتها في قضايا مثمرة بدل أن نواصل تهمّيشها ودفعها إلى الهجرة الدائمة.
إن الحوار الوطني الحقيقي يجب أن يكون حواراً استشرافياً تقوده النخبة الجديدة، ليكون بمثابة بوابة عبور موريتانيا نحو ضفة "الدولة القوية"؛ دولة تمتلك مؤسسات صلبة، وحوكمة فعالة، واقتصاداً منتجاً، ونظاماً سياسياً مستقراً، ومواطنةً مكتملة الحقوق، ورؤيةً واضحة للمستقبل، بدلاً من الارتداد الدائم نحو صراعات الماضي والتمترس وراء خلافاته الممتدة إلى ما لانهاية .

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار