متى نُقلِع عن اجترار الأفكار المجمّدة؟(الحلقة: 1)
ثمة مثل سياسي غربي يصف حالة عجز النخبة بالكلب الذي يطارد السيارة، فإذا ما توقفت، وقف حائراً لا يدري ماذا يفعل بها!. مثل المعارض الذي يُفني عمره في إيقاف عجلة السلطة، فإذا ما أوقفها يوماً، وقف هو نفسه مذهولاً لا يعلم ماذا يفعل بها ،وهذه الصورة تختزل بدقة مأزق النخبة الموريتانية اليوم: طاقة هائلة تُصرف في الاعتراض، وفراغ مدوٍّ في مربع الرؤية.
صحيح أنه لم يكن لدينا هذا النمط من التفكير التنموي سابقاً؛ كيف يمكن لموريتانيا أن تكون دولة قوية؟بل ولم يلمح إليه أي أحد!!!! كان جل الاهتمام ينصب على لملمة الأوضاع الناجمة عن البدايات المختلة، والسياسات الفاشلة، والأولويات الخاطئة. ولم نقع يوماً على وثيقة أو نقاش نخبوي تجرد من الطموح السياسي الضيق والأطماع الآنية ليساهم في بلورة رؤية وطنية لمستقبل البلد. ونتيجة لهذا الفراغ، كانت مهمة أي رئيس غداة وصوله للسلطة هي مجرد محاولة لدمل الجراح. كما أن أغلب النخبة لا يبحث عن الشراكة الحقيقية بقدر ما يحمل وصمة الاستحواذ، مما خلق نفوراً وبغضاء بين الأطراف ، وذلك من الأسباب الأولى لانعدام رؤية وطنية موحدة حول أي من المواضيع الأساسية حتى تلك التي طُرحت على طاولة النشأة الأولى.
منذ الاستقلال إلى اليوم، ما تزال النخبة الوطنية تستخدم الأدوات الفكرية ذاتها، وتتحرك ضمن سقف الطموح نفسه، وتدور في الآفاق الضيقة عينها. والمفارقة أن أغلبها لا يُنتج رؤية استشرافية، ولا يشارك في صناعة تصور وطني للمستقبل، بل ينحصر جهده في إدارة الحد الأدنى من الطموح السياسي والفكري. لقد صرنا نستهلك أفكاراً مجمّدة، وفي أفضل الأحوال نعيد تسخينها؛ فأغلب ما تفعله النخبة اليوم هو اجترار المواقف القديمة لإحراج النظام السياسي، لا لتقديم حلول جديدة أو فتح أفق مختلف للبلد.
وفي المقابل، يتغير العالم من حولنا بوتيرة متسارعة، ويعيد رسم خرائط القوة والتنمية والتكنولوجيا. وفي خضم هذه التحولات المتلاحقة، تتغير وضعيتنا وأهميتنا الاستراتيجية دون أن ندرك ذلك، بل نبقى أسرى النسق التقليدي نفسه الذي اعتادته السلطة واعتاده الشارع؛ وكأن وظيفة النخبة لم تعد صناعة التحولات الكبرى، بل الاكتفاء بإدارة التوازنات وتمديد عمر الأزمات دون الاقتراب من جذورها العميقة.
فمنذ سنة 1958، والنقاشات نفسها تتكرر حول اللون، واللغة، والتعايش، واللحمة الوطنية، في حين أن الدول التي عاصرتنا تجاوزت هذه الأسئلة -رغم تعدد تركيباتها الاجتماعية والعرقية- إلى بناء القوة الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية وتثبيت أركانها. بينما لم تستطع نخبتنا، حتى اليوم، الاستفادة من التحولات الجوهرية التي شهدها العالم في مفاهيم الدولة الحديثة، والتنمية المستدامة، والسيادة الاقتصادية، وبناء النفوذ.
لقد ظلت "الأفكار البطولية" عندنا مرتبطة فقط بالقدرة على تحريك المياه الراكدة داخل السجالات القديمة، في وقت تبدل فيه واقع موريتانيا جذرياً خلال العقود الأخيرة. فقبل ربع قرن، لم تكن هناك قراءة عميقة للتحولات الجيوسياسية التي سيشهدها موقع البلاد، ولا إدراك لحجم الفرص التي ستخلقها اكتشافات الغاز، والنفط، والذهب، واليورانيوم، والكوارتز، والتربة النادرة. ولم يكن هناك وعي بأن الرياح، والشمس، والصحراء الشاسعة التي كنا نعدّها عبئاً جغرافيّاً، ستتحول إلى مصادر استراتيجية للطاقة النظيفة والثروة المتجددة حيث صار يبللنا لعاب أوروبا .
كما لم يكن هناك استيعاب مبكر لحقيقة أن موريتانيا ستصبح رقماً صعباً وذات أهمية متزايدة في معادلات الأمن، والطاقة، والهجرة بالنسبة لأوروبا، أو في التنافس الدولي المتصاعد على الموارد الاستراتيجية. لقد تغيرت الموازين في مركز العالم في المنطقة وشبه المنطقة. كل الشعوب عرفت ذلك من حولنا،وصارت تتسابق لبناء اقتصادات لتقوية السيادة والمعرفة الرقمية، بينما ما تزال نخبنا تناقش القضايا ذاتها بالعقلية والمفردات القديمة نفسها. ورغم هذه التحولات الكبرى، لم تُراجع النخبة أطرها الفكرية، ولم تُحدّث أدواتها التحليلية، ولم تُغيّر بوصلتها نحو "أهداف الساعة"، بل بقيت حبيسة العجز ذاته عن إنتاج الرؤى، وكأن الزمن السياسي في البلد متوقف منذ عقود.
يتواصل
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار




