الجمعة
2026/07/24
آخر تحديث
الجمعة 24 يوليو 2026

بين أعماق البحر وغياب الرقابة: من يحاسب سفن الصيد العملاقة؟

منذ 10 دقيقة
بين أعماق البحر وغياب الرقابة: من يحاسب سفن الصيد العملاقة؟
الاتحادية العامة للصيد FGP
طباعة

في عرض السواحل، بعيدًا عن أعين الرقابة تدور واحدة من أكثر العمليات استنزافًا للثروة السمكية في صمت مريب
سفن صيد أوروبية عملاقة مثل
(Margiris-
Jan Maria-
Annelies Ilena)
تجوب المياه، ترفع شباكها الثقيلة مرات متعددة يوميًا وفي كل مرة تحمل معها ما هو أبعد من مجرد صيد مشروع.

تُظهر التقديرات أن ما بين 20 إلى 30 في المائة من حصيلة كل عملية جرّ (coup de chalut) يتم التخلص منه مباشرة في البحر، سواء كان من الأسماك الصغيرة غير القابلة للتسويق، أو من الأنواع غير المرغوب فيها، أو حتى من المصطادات التي لا يشملها الترخيص. وإذا علمنا أن متوسط الكمية في كل عملية قد يصل إلى 240 طنًا، وأن هذه العمليات تتكرر من أربع إلى ست مرات يوميًا، وعلى مدار أسابيع قبل تفريغ السفينة، فإن حجم الهدر يصبح صادمًا، بل كارثيًا.

لكن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بالأرقام، بل بما يحدث عندما تغيب الدولة. ماذا يحدث حين تعمل هذه السفن دون وجود خفر سواحل على متنها؟ دون مراقبين علميين؟ دون أي شكل من أشكال التتبع الفعلي؟ الجواب بسيط وخطير في آن واحد: يتحول البحر إلى فضاء مفتوح للاستنزاف غير الخاضع لأي ضابط.

في هذا السياق، يبرز الدور المفترض للمعهد العلمي، الذي من المفترض أن يكون العين التقنية والعلمية للدولة في تقييم المخزون السمكي وضمان استدامته. غير أن الواقع يكشف ضعفًا واضحًا في آليات المتابعة، وغيابًا مقلقًا للبيانات الميدانية الدقيقة، خاصة تلك المرتبطة بما يُرمى في البحر ولا يُصرّح به. كيف يمكن الحديث عن تقييم علمي سليم في ظل معطيات ناقصة؟ وكيف يمكن بناء سياسات مستدامة على أساس معلومات لا تعكس حقيقة ما يجري في عرض البحر؟

أما خفر السواحل، فيفترض أن يكونوا خط الدفاع الأول ضد هذه التجاوزات. لكن ضعف الإمكانيات، وقلة التواجد في مناطق الصيد، يجعل من دورهم محدودًا، بل شبه رمزي في بعض الأحيان. الرقابة، كما هو قائم اليوم، تبدو وكأنها تقتصر على ما يتم تفريغه في الموانئ، أي على الجزء “المرئي” فقط من النشاط، بينما يبقى الجزء الأكبر والأخطر خارج أي محاسبة.

إن اختزال التفتيش في كميات التفريغ على اليابسة يمثل خللًا بنيويًا في منظومة المراقبة. فالمشكلة الحقيقية لا تكمن فقط فيما يصل إلى الميناء، بل فيما لا يصل إليه أصلًا.او ما يعبأ في الأكياس باسم مستعار، وما يُرمى في البحر يوميًا من كميات هائلة يظل خارج الحسابات الرسمية، وخارج أي تقييم أو مساءلة.

أمام هذا الواقع، يطرح سؤال المسؤولية نفسه بإلحاح: من المسؤول عن هذا النزيف الصامت؟ هل هي الشركات المستفيدة؟ أم الجهات الرقابية التي تغيب أو تُغيّب؟ أم السياسات التي تسمح باستمرار هذا الوضع دون مراجعة حقيقية؟

إن الحديث عن الاستدامة والتسيير المستديم للثروة السمكية في ظل هذه الظروف يبدو أقرب إلى الخطاب النظري منه إلى الممارسة الفعلية. فبدون مراقبة حقيقية في عرض البحر، وبدون حضور علمي مستقل، وبدون إرادة واضحة لتتبع كل ما يتم اصطياده – بما في ذلك ما يُرمى – ستظل كل شعارات الحوكمة الجيدة مجرد حبر على ورق.

لقد حان الوقت لإعادة النظر جذريًا في منظومة الرقابة، وتعزيز حضور الدولة في مناطق الصيد، وفرض الشفافية الكاملة على أنشطة السفن، سواء الوطنية أو الأجنبية. فالبحر ليس موردًا لا ينضب، وما يُفقد اليوم في صمت، قد لا يمكن تعويضه غدا.
الاتحادية العامة للصيد
FGP