شباب بلا وظيفة.. لكن ليس بلا أفكار: كيف تتحول ريادة الأعمال في موريتانيا من خيار اضطراري إلى رافعة للاقتصاد؟
لم يكن دخول الشيخ المهدي إلى عالم ريادة الأعمال قرارًا سهلًا. فالشاب الذي اختار الزراعة مجالًا لبناء مستقبله، بدأ بإمكانيات محدودة، قبل أن يؤسس شركة «حصادي للمنتجات الزراعية»، التي تحولت خلال سنوات قليلة من مشروع صغير إلى نشاط يوفر عشرات فرص العمل ويساهم في تزويد السوق المحلية بعدد من المنتجات الزراعية.
يقول الشيخ المهدي إن البداية كانت متواضعة جدًا، وإن المشروع انطلق بإمكانيات محدودة، لكنه كان يؤمن بأن الزراعة يمكن أن تكون مشروعًا اقتصاديًا قابلًا للنمو، وليس مجرد نشاط موسمي. ويضيف أن أكبر التحديات التي واجهته في البداية تمثلت في الحصول على الأرض الصالحة للزراعة، وتوفير التمويل، ثم الوصول إلى السوق.
ومع مرور الوقت، حصل المشروع على تمويلات ساعدته على توسيع نشاطه، واقتناء المعدات وتطوير الإنتاج، وهو ما انعكس على عدد العمال وحجم النشاط.
ويقول الشيخ المهدي إن المشروع بدأ بعدد محدود من العمال، قبل أن يرتفع العدد إلى عشرات العمال مع توسع النشاط، مؤكدًا أن التمويل بالنسبة له لم يكن نهاية الطريق، بل كان «بداية» سمحت له بالانتقال من فكرة صغيرة إلى مشروع أكثر قدرة على الإنتاج والاستمرار.
ولا تقف أهمية التجربة، بحسب صاحب المشروع، عند فرص العمل التي وفرها النشاط الزراعي، وإنما تمتد إلى السوق المحلية؛ إذ أصبح المشروع ينتج عددًا من الخضروات والمنتجات الزراعية التي كانت تستورد من الخارج، ما يساهم في توفير المنتج المحلي وتقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة.
بطالة مرتفعة وشباب يبحث عن فرصة
تأتي تجربة الشيخ المهدي في وقت يواجه فيه الشباب الموريتاني تحديات كبيرة في سوق العمل.
وتتراوح نسبة البطالة في موريتانيا رسميًا بين 12% و13%، وفقًا لآخر البيانات الصادرة عن وزارة تمكين الشباب والتشغيل والوكالة الوطنية للإحصاء، بينما تصل نسبة البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و35 سنة إلى نحو 22.17%.
وتزداد صعوبة الولوج إلى سوق العمل مع تزايد أعداد خريجي الجامعات والداخلين الجدد إلى سوق العمل، في وقت لا تستطيع فيه الوظائف التقليدية استيعاب جميع الباحثين عن العمل.
وفي مواجهة هذه التحديات، ترى الحكومة أن خلق فرص العمل لا يمر فقط عبر التوظيف المباشر، وإنما أيضًا عبر دعم المبادرات الخاصة وتشجيع الشباب على إنشاء مشاريعهم.
وتقول الحكومة إنها وفرت نحو 35 ألف فرصة عمل خلال الفترة الممتدة من أغسطس 2024 إلى منتصف عام 2026، كما تم تكوين وتأهيل أكثر من 63 ألف شاب وشابة في مجالات مهنية متعددة بهدف تسهيل اندماجهم في سوق العمل.
لكن الأرقام المتعلقة بالتشغيل تطرح سؤالًا أوسع: هل يمكن لريادة الأعمال أن تستوعب جزءًا من هذا العدد المتزايد من الشباب الباحثين عن فرص؟
من الوظيفة المنتظرة إلى المشروع الخاص
منذ عام 2019، بدأت الحكومة في تنفيذ سلسلة من البرامج والمشاريع الهادفة إلى تحسين قابلية تشغيل الشباب وتنمية ريادة الأعمال.
ومن بين أبرز هذه البرامج «مشروعي مستقبلي»، الذي أطلق سنة 2020 لدعم أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتمويل الأنشطة المدرة للدخل.
وبحسب البيانات الرسمية، تجاوز عدد المشاريع المستهدفة والممولة من طرف البرنامج 5,100 مشروع عبر نسخه المتتالية، كما شمل تمويل 1,045 مشروعًا مخصصًا لدعم التشغيل الذاتي في الأرياف.
لكن حجم الطلب يكشف في المقابل عن حجم الحاجة.
فقد سجلت النسخة الأولى نحو 13 ألف طلب، قبل أن يتجاوز عدد الطلبات في نسخ لاحقة 22 ألف طلب تمويل.
وتشير هذه الأرقام إلى أن عدد الشباب الراغبين في إنشاء مشاريع يفوق بكثير عدد المستفيدين من برامج التمويل، وهو ما يعيد طرح سؤال القدرة على الاستجابة لحجم الطلب المتزايد.
التمويل.. بداية الطريق وليس نهايته
بالنسبة إلى الشيخ المهدي، كان التمويل عاملًا مهمًا في تطوير مشروعه، لكنه لم يكن العامل الوحيد.
فبعد الحصول على التمويل، واجه المشروع تحديات أخرى مرتبطة بالإنتاج والتسويق والوصول إلى المستهلك، وهي تحديات يقول إنها لا تقل أهمية عن توفير رأس المال.
ويشرح أن المشروع يحتاج إلى أكثر من المال لكي يستمر؛ فصاحب المشروع يحتاج إلى المعرفة والخبرة والمواكبة، كما يحتاج إلى سوق يستطيع من خلاله بيع منتجاته وتحقيق عائد يسمح له بتغطية التكاليف والاستثمار من جديد.
ومن هنا، يرى الشيخ المهدي أن دعم ريادة الأعمال يجب ألا يتوقف عند لحظة تسليم التمويل، بل ينبغي أن يمتد إلى مراحل الإنتاج والتسويق والتطوير.
حين لا يكفي التمويل
وتتفق هذه الرؤية مع ما يراه الخبير الاقتصادي عبد القادر محمد، الذي يعتبر أن التمويل يمثل عنصرًا مهمًا، لكنه لا يكفي وحده لضمان نجاح المشاريع واستمرارها.
ويقول الخبير إن المشروع يحتاج، إلى جانب التمويل، إلى تكوين ومواكبة مستمرة لصاحب المشروع، فضلًا عن توفير بيئة اقتصادية تسمح له بالوصول إلى السوق وتطوير نشاطه.
ويضيف أن بعض المشاريع قد تحصل على التمويل، لكنها تواجه لاحقًا صعوبات في الإدارة أو التسويق أو ضبط التكاليف، ما يجعل استمرارها أكثر صعوبة.
ومن هذا المنظور، فإن نجاح سياسة دعم ريادة الأعمال لا يقاس فقط بعدد المشاريع التي حصلت على التمويل، وإنما أيضًا بعدد المشاريع التي تمكنت من الاستمرار والتوسع وخلق وظائف جديدة.
من مشروع صغير إلى فرصة اقتصادية
تكشف تجربة «حصادي» أن المشروع الصغير يمكن أن يتحول، إذا توفرت له الظروف المناسبة، إلى نشاط اقتصادي يوفر فرص العمل ويساهم في الإنتاج المحلي.
لكن تجربة الشيخ المهدي تكشف في الوقت نفسه أن الطريق بين الحصول على التمويل وتحقيق الاستدامة طويل، وأن نجاح المشروع يتطلب شبكة متكاملة من التمويل والتكوين والمواكبة والوصول إلى الأسواق.
وهنا يكمن التحدي أمام السياسات العمومية: ليس فقط كيف نمول أكبر عدد ممكن من المشاريع، وإنما كيف نساعد هذه المشاريع على البقاء والنمو والتحول إلى مؤسسات قادرة على خلق الثروة وفرص العمل.
فالشباب الموريتاني، كما تظهر أرقام برامج التمويل وتجارب أصحاب المشاريع، لا يفتقر بالضرورة إلى الأفكار. المشكلة تكمن في قدرة البيئة الاقتصادية على تحويل هذه الأفكار إلى مشاريع قابلة للاستمرار.
بالنسبة إلى الشيخ المهدي، لم تعد ريادة الأعمال مجرد وسيلة للهروب من البطالة، بل أصبحت رهانًا على المستقبل. وتجربته في الزراعة تظهر أن شابًا بدأ بإمكانيات محدودة يستطيع، مع التمويل والمثابرة والمواكبة، أن يتحول من باحث عن فرصة إلى صانع لها.
لكن نجاح تجربته، وتجارب آلاف الشباب مثله، لن يتوقف على امتلاك الفكرة وحدها، وإنما على قدرة موريتانيا على بناء بيئة تجعل من المشروع الصغير مشروعًا قابلًا للنمو، ومن صاحب الفكرة ربَّ عمل، ومن التمويل استثمارًا منتجًا.
فهل تنجح موريتانيا في الانتقال من تمويل المشاريع إلى بناء منظومة متكاملة تجعل من ريادة الأعمال رافعة حقيقية للاقتصاد والتنمية؟
الصحفي محمد شريف سالم







