من هو خليفة غزواني؟ أهو غزواني نفسه عبر إخراج جديد؟ أم هو من سيختاره غزواني؟ (1)
الحلقة الأولى:
لماذا أصبح سؤال " الخليفة"، في صيغه المختلفة، تارة المأمورية وتارة أحد الأصفياء، هو السؤال السياسي الأهم؟
يجدر بنا هنا، ونحن نستعد لدخول حوار وطني شامل، يهدف إلى دعم فرص التوافق، أن نتساءل عن أسباب إثارة هذا الموضوع؟
قد يبدو هذا السؤال، في أي ديمقراطية مستقرة، سابقًا لأوانه، أو حتى غير ذي معنى؛ فالرئيس لا يورث السلطة، ولا يفرض من يخلفه، وإنما يختاره الشعب عبر انتخابات حرة بين برامج ومشاريع سياسية متنافسة.
لكن، في موريتانيا، لم يتحول هذا السؤال إلى محور رئيسي في النقاش السياسي والإعلامي. بل أصبح بديهياً، فمنذ 2005 تم تبني تقليد الاستخلاف، وهو في حد ذاته يكشف عن طبيعة النظام السياسي أكثر مما يكشف عن هوية الشخص الذي قد يخلف الرئيس.
فحين يصبح السؤال: من سيختاره الرئيس؟ بدلاً من: من سيختاره الناخبون؟ فإننا نكون أمام أزمة في موازين القوة والاعتراف وبأن أدوات التأثير اللاديمقراطي هي تميل إليها تلك الموازين عبر شبكات النفوذ أكثر مما تميل إلى البرامج السياسية، وإلى الأطر التقليدية القليلة والجهة والمال الساسي أكثر منها إلى أدوات الفعل العصرية الأحزاب والتنظيمات والوسيطة والبرامج .
وهذا في الواقع هو أحد أبرز سمات تعثر بناء ديمقراطية وظيفية ؛ لأن الانتخابات، في هذه الحالة، لا تتحول إلى منافسة بين رؤى وبرامج مختلفة لإدارة البلاد، وإنما إلى منافسة على القرب من مركز القرار بهدف الاستفادة من امتيازات السلطة لابناء الدولة ، ومن خلال القدرة على تجميع الولاءات والمصالح التقليدية.
كما يكشف ذلك أيضا عن أزمة أخرى أكثر وطأة، وهي ضعف النخبة السياسية ومحدودية تأثيرها. فبدلاً من أن تنجح في فرض معايير موضوعية لاختيار من يقود البلد، أو في إنتاج بدائل وطنية مقنعة، انحصر دورها في انتظار قرار الرئيس، أو في أحسن الأحوال محاولة التأثير في اختياره، وكأنها سلّمت مسبقاً بأن مفتاح السلطة ما يزال في يد الرئيس حتى وهو يغادر السلطة أكثر مما هي في يد الشعب. وهذا مكمن ضعف المؤسسات.
وهنا يتعين البحث في طبيعة قرار غزواني وهو يربط مفاتيح الوجهة في حزام مازال بيده.
وهنا يدفعنا التفكير لسوال متعدد المحاور :هل في نظام غزواني من هو أحسن من غزواني تفسه ومادام الانصياع لذلك علني كما عبرت عن ذلك مقالات البراءة من الطموح في قمرة النظام هل يريد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أن يخلف نفسه حتى وإن كان هناك من يرددها من أغلبيته في تملق جرت به العادة ؟
ظل في تقديري أنه لا يريد أن يخلف نفسه، حسب محددات موضوعية :
ليس فقط لأن الدستور يمنع ذلك بصورة واضحة، بل لأن شخصية الرئيس نفسها، كما عرفها الموريتانيون خلال سنوات حكمه، لا توحي بأنه مستعد لخوض معركة من هذا النوع قد تنطوي على مغامرة بالعودة الاحتقان .
فغزواني ظل، منذ وصوله إلى السلطة، يقدم نفسه باعتباره رئيساً يميل إلى التهدئة، ويتجنب الصدامات الكبرى، ويحرص على بناء صورة رجل الدولة الذي يفضل التوافق على المغالبة. ومن الصعب التوفيق بين هذه الصورة وبين الدخول في مواجهة دستورية وسياسية لفتح باب مأموريات يعارضها الكثير من الناس وستبدد مشروع التهدئة .
ثم إن أي محاولة من هذا القبيل ستكون تراجعاً عن أحد أهم المكاسب الديمقراطية التي تحققت في موريتانيا بعد ما اغلقت ت باب التسلط ومحاولات الخلود في السلطة ، وستضع الرئيس في تناقض مع خطابه السياسي، ومع الصورة التي حرص على ترسيخها داخلياً وخارجياً حتى وإن شعار التهدئة في فترته طمأن الجميع .
ولذلك، يبدو موقفه المعلن بعدم الرغبة في كسر قفل المأموريات الرئاسية أكثر انسجاماً مع شخصيته ومع أسلوبه في إدارة الحكم، ولا توجد حتى الآن مؤشرات جدية تدفع إلى الاعتقاد بأنه يسعى إلى خلافة نفسه، وإن كان قد تعرقل الحوار أشهر عديدة لسبب ذلك ،وفي تأجيج الخطاب الأمني رسميا،وحراك كثيف بمبادرات جانبية سياسية وعبر مراكز دراسات او تفكير محلية ،ودعاية إعلامية كبيرة توثق للإنجازات ، ودعوات السياسين ملأ شاشات الإعلام ما "يسرق " الانتباه . .
ومع ذلك، سيظل الاعتقاد الأنسب أن هذا الخيار مستبعداً، لكن ذلك سيثير السؤال وينقلنا تلقائياً إلى الخيار الآخر: هل يحتاج غزواني إلى إعداد خليفة سياسي؟
هنا يصبح النقاش أكثر تعقيداً.
فالأمر لا يتعلق فقط بشخص الرئيس، وإنما أيضاً بطبيعة النظام السياسي. فكل رئيس يغادر السلطة يفكر، بصورة أو بأخرى، في الضمانات التي تحمي المكاسب التي تحققت في عهده، وتحافظ على الحد الأدنى من استمرارية الدولة، وتجنب البلاد الدخول في دوامة تصفية الحسابات. وفي بلدنا، وعلى نحو خاص، يقضي ثالث أطول الروساء فترة حكم محكومية ب 15 سنة في السجن بسبب فساد في استخدام السلطة طاله ومقربين له.
إن هذه السابقة تزيد الهواجس في موريتانيا خاصة أمام أصوات في الرواق السياسي عن فساد هنا وهناك، وهي سابقة رسخت في الوعي السياسي أن مغادرة السلطة لم تعد تعني بالضرورة نهاية المسؤولية السياسية أو القضائية. ولذلك يصبح البحث عن انتقال هادئ للسلطة أمراً ليس مفهوماً فقط بل "ضروري وموضوعي"، سواء من زاوية حماية الاستقرار أو من زاوية حماية النظام السياسي نفسه.
كما أن أي نظام حكم لا يغادر المشهد بالكامل بمجرد مغادرة رئيسه؛ فمن الطبيعي أن يسعى إلى الحفاظ حضوره السياسي القوي بل تصدر المشهد ، وفي أسوأ الحالات إلى المشاركة في رسم ملامح المرحلة التالية. والنظام الموريتاني من أكثر الأنظمة حفاظا على تماسك نخبة الحكم منذ الاستقلال ، ما دام ذلك يتم في إطار الدستور والقواعد الديمقراطية ،حتى في إطار الأمر الواقع ، كما أن النظام القائم الذي تمتد جذوره إلى 1978 قد فرخ في جميع مراكز الحكم ثم أنه يحمل على ظهره جريرة الفشل والأزمة التي تراكمت خلال تداوله للسلطة .
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل سيغادر غزواني؟ فذلك، في ضوء المعطيات الحالية، يبدو أمراً راجحاً.
بل هو: إذا كان غزواني سيغادر السلطة، فما هي طبيعة التوريث؟ وكيف سيراه نظامه ؟ وهل سيكون من داخل النظام أم من خارجه؟ وهل هو مدني أم عسكري؟ وهل ستكون الكلمة الحاسمة للمؤسسات، أم لموازين القوى داخل النظام نفسه؟ وهل فعلا سيبقى لغزواني ، انطلاقا من طبيعة النخب ، من الصيت والنفوذ -وهو يغادر السلطة - ما يمكنه من تنصيب خليفة موثوق حتى وأن كان يتطلب أن يمنح النجاح أي ان لاتكون له شعبية بالأساس ؟
ذلك هو موضوع الحلقات القادمة
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار



