الاثنين
2026/08/10
آخر تحديث
الاثنين 10 أغشت 2026

كيف يكون الحوار حوارًا؟ (الحلقة الثانية)

منذ 24 دقيقة
كيف يكون الحوار حوارًا؟ (الحلقة الثانية)
طباعة

إن الحاجة واضحة إلى إصلاحات دستورية، انطلاقًا من تقييم كفاءة الهيئات الدستورية وأدائها، من أجل تفعيل نظامنا الديمقراطي، حتى يكون أكثر مرونة وفاعلية، ولكي يستوعب وضعنا الاجتماعي والسياسي المرتبك، ويكسب الرهانات والتحديات التي تتطلب الاستقرار أكثر من أي شيء.
لقد تعرضت تجربتنا الديمقراطية، خلال الممارسة، لبعض التغييرات المختلفة التي تجاهل بعضها حقائق واقعنا على الأرض؛ إذ أضفنا، بموجبها، هيئات خلقت إرباكًا للتسيير المحلي، وزادت من تعقيد تداخل السلطات المحلية، مثل المجلس الجهوي، دون أي مقابل أو إسهام في التنمية المحلية، فقد صار عبئًا على الهيئات المحلية، من دون أن يحدث أي تغيير إيجابي في معطيات الأوضاع المحلية.
كما تم جمع وسيط الجمهورية ومجلس الإفتاء في هيئة استشارية واحدة لا تؤدي دورًا جوهريًا، وكذلك المجلس الاقتصادي والاجتماعي، الذي لم يستشره أحد، فقد ظلت كلها هيئات استشارية غير ذات أثر كبير في الممارسة الديمقراطية.
وفي خطوة غير مدروسة، تم شطب مجلس الشيوخ، الذي كان يمثل هيئة برلمانية عليا وقراءة ثانية للقوانين، وعوضًا عن أي ترقية للبرلمان، تم توسيع قاعدة التمثيل على أساس زيادة الدوائر الانتخابية ورفع عدد أعضاء الغرفة، مما فتح الباب واسعًا أمام عدد هائل من الهوامش السياسية ومن الشعبوية ، وجاء بكثير من النواب الذين لا يملكون أي تكوين سياسي، ولا التزامًا سياسيًا أو وطنيًا؛ من التجار، ومن السوقة، ومزيج من المستويات المتدنية، وهو ما عكًر مزاج وعريكة البرلمان وأنشأ له صورة سيئة ، رغم أنه الغرفة التشريعية الوحيدة في البلد.
وعلى نحو غير معقول، تم استحداث دوائر انتخابية من دون مدلول، مثل اللوائح الوطنية، التي لا تعبر عن دوائر محلية، كلوائح الشباب والنساء واللائحة الوطنية، في حين أن الرئيس وحده هو الذي يجب أن تكون دائرته الانتخابية هي الوطن، لأنه يعبر عن شرعية عامة، ويحمل طموح جميع الشعب، ويملك برنامجًا شاملًا، بينما ينبغي أن يرتبط النواب بدوائر محددة إداريًا، لأن تمثيلهم محدود.
لقد جعل هذا الوضع مجلس النواب هيئة شعبوية واحدة، أكثر صراخًا منها رصانة ووظيفية. كما تم منع كثير من أصحاب الطموح، من المثقفين والسياسيين والشخصيات المستقلة الذين لا ينتمون إلى الأحزاب، من الترشح، لأن الترشح ظل محصورًا في عناوين فارغة تسمى الأحزاب السياسية، التي تتاجر، في نهاية المطاف، بمواقع الترشح المهمة في اللوائح الانتخابية.
إن وضع دستورنا اليوم بحاجة إلى مراجعة عميقة تجعله يواكب التطورات، ويصلح الاختلالات والأخطاء، وذلك انطلاقًا من تقييم علمي. فهل يمكن أن يتحقق ذلك بواسطة هذه النخبة السياسية؟
أما الإطار المرجعي لتسوية المظالم فهو المواطنة، سواء تعلق الأمر بمظالم الدولة، بوصفها جهازًا يمثل الجميع، وفوق الجميع، وينوب في عمله عن الجميع، أو تعلق الأمر بمظالم مرتبطة بالمجتمع، مثل قضية العبودية، والتراتبية الاجتماعية، والقبلية، وغيرها، أو تعلق الأمر بسوء ممارسة السلطة، الذي تضرر منه عدد كبير من المواطنين. وبالتالي يجب حل هذه القضايا انطلاقًا من اعتبار المواطنة ومن الدولة موطن للجميع ، ومصيرًا واحدًا، ومستقبلًا واحدًا، وبحلول تحترم الانسجام والحقوق.
ومن المفيد هنا الاستئناس بمثالين:
لم يعد موضوع الإرث الإنساني موضوعًا وطنيًا تطرحه النخبة الوطنية، بل صار موضوعًا فئويًا تطرحه مجموعة تتوارثه عبر الأجيال. فالجيل الذي طرح هذه القضية سنة 1992 ليس هو جيل 2005، والسياق الذي طرحت فيه ليس هو نفسه، والذين طرحوه سنة 2011 ليسوا هم من طرحوه سنة 2018، والذين يطرحونه سنة 2026 ليسوا هم من سيطرحونه أمام الرئيس المقبل. لقد أضحى في الحقيقة، ملفًا استحقاقيًا مرتبطًا بالانتخابات، بوصفه مطية سياسية، ولم يعد قضية مظلمة اجتماعية، ولا ملفًا وطنيًا يحل بصفة مهنية وقانونية وتقديرية. وبالتالي، ففي كل مرحلة ستظهر خلفه مجموعة جديدة، بطرح مختلف، وسقف أعلى، وسياق جديد، فتدخل القضية في دوامة لا نهاية لها، ولا يمكن حسمها في النهاية.في حين أن المقصود ليس التقليل من شأن أي مظلمة تاريخية أو إنكارها، وإنما البحث عن إطار دستوري وقانوني يجعل معالجتها نهائية وعادلة ومستقرة. فالمظالم لا تُقاس بحجم الألم الذي خلفته فحسب، وإنما أيضًا بقدرة الدولة على معالجتها بطريقة لا تُنتج مظالم جديدة، وتحافظ في الوقت نفسه على وحدة المجتمع وانسجامه
أما موضوع العبودية، فإنها عندما تنتقل من مظلمة اجتماعية ذات بعد قانوني وأخلاقي إلى موضوع فئوي ذي بعد سياسي، يستقي مفهوم المساواة من المحاصصة، ويُروِّج زعماؤه خطابًا فئويًا، فإننا نكون أمام تقسيم للشعب وللدولة، ولسنا أمام توكيد للانسجام أو البحث عن الحلول في إطار المواطنة. وهنا ينبغي تحديد إطار مرجعي لبحث هذه القضايا، والتوصل إلى صيغة قابلة للتعميم، وتحترم المؤسسات ودورها.
أما الإصلاحات الدستورية المقترحة في هذا الخصوص، فهي:
* إلغاء الامتيازات الممنوحة للأحزاب على حساب حرية الترشح، التي كان هدفها توطين الناخبين داخل الأحزاب، لكن اتضح أن الأحزاب ليس لديها ما تقدمه، وبالتالي تحولت، في الغالب، إلى مؤسسات فردية للمساومة.
* كما ينبغي إلغاء العمل بالنسبية، الذي يحافظ على أحزاب لا تتطور ولا تملك رؤية، فمصلحة البلد في تقليص عدد الأحزاب، لا في زيادتها. لقد كان الهدف من هذا القانون مساعدة أحزاب المعارضة على التمثيل البرلماني حتى تستعيد عافيتها، وليس تقديم عطية دائمة تدعم الكسل السياسي.
* كما ينبغي إلغاء اللوائح الوطنية، أو الدوائر الوطنية للنواب، وبدلًا من ذلك، ولأجل الرفع من أداء البرلمان، ينبغي ضخ عدد كبير من النخبة الوطنية في البرلمان، من اقتصاديين، وقانونيين، وخبراء في الطاقة، والأمن، والبيئة، بنسبة (25%) من النواب، وذلك عبر الحفاظ على هذه النسبة في لوائح جميع الأحزاب، من أجل الرفع من أداء البرلمان، ومستوى نقاشاته، والطرح الوطني، وضمان فصل وظيفي للسلطات. فلا يمكن للبرلمان أن يخرج من تحت عباءة السلطة التنفيذية إلا بوجود شخصيات تعرف دورها وواجبها، وتتحمل مسؤوليتها الوطنية.
* تقليص الهيئات الدستورية، واستحداث هيئات أكثر وظيفية.
* إنشاء الهيئة الاستراتيجية العليا للبلد، التي تضع تصورًا لبناء القوة، وتطوير البلد، واستغلال موارده في إطار استراتيجي يمنع استنزاف خيرات البلد، ويوظف موارده في خدمة أهدافه الاستراتيجية العليا الداعمة لتطوره. وتتولى هذه الهيئة وضع الرؤية والخطط الاستراتيجية المستقبلية، والإطار القانوني والاقتصادي والبيئي للاتفاقيات الاستخراجية واستغلال الموارد، كما تضع خطة للنهوض بالبلد خلال ربع القرن المقبل وتكون تلك الخطة هي الاطار الرئيسي و الجزء الأساسي والثابت من برنامج أي رئيس يتولى حكم البلد، بحيث يضعه في أولويات برنامجه الحكومي، ويسهر على تنفيذه بالتعاون مع الهيئة، التي تظل تتابع التنفيذ، وتقيم الآثار، وتقترح التقويم والإصلاحات..
* إن التجارب الدولية تثبت أن الدول التي نجحت في تحقيق التحول الاقتصادي لم تعتمد فقط على الحكومات المتعاقبة، وإنما بنت مؤسسات استراتيجية تحفظ الرؤية الوطنية من تقلبات السياسة وتغير الأشخاص. فالحكومات تتغير، أما المصالح العليا للدولة فيجب أن تظل ثابتة، ولهذا تحتاج إلى مؤسسة تفكر بمنطق الدولة لا بمنطق المأمورية
وتكون هذه الهيئة مستقلة عن جميع السلطات، ويتم تعيين أعضائها، بصفة استثنائية، كل عشر سنوات، وتنصيبها من طرف المجلس الدستوري.
* إعادة مجلس الشيوخ بوصفه هيئة برلمانية عليا، تتولى القراءة الثانية للقوانين فقد أثبتت التجربة أهميته في خلق التوازن داخل الهيئة التشريعية والرفع من أدائها .إن الحوار الوطني لن يكون حوارًا حقيقيًا إذا اقتصر على تسوية الخلافات السياسية أو توزيع التوافقات بين الأطراف، وإنما يكون كذلك عندما يتحول إلى فرصة لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها على أسس أكثر كفاءة وعدالة واستقرارًا. فالدساتير لا تُراجع لإرضاء هذا الطرف أو ذاك، وإنما لضمان مستقبل الدولة، وحماية المجتمع، وتطوير النظام السياسي بما يجعله أكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل
إن الحوار الوطني لن يكون حوارًا حقيقيًا إذا اقتصر على تسوية الخلافات السياسية أو توزيع التوافقات بين الأطراف، وإنما يكون كذلك عندما يتحول إلى فرصة لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها على أسس أكثر كفاءة وعدالة واستقرارًا. فالدساتير لا تُراجع لإرضاء هذا الطرف أو ذاك، وإنما لضمان مستقبل الدولة، وحماية المجتمع، وتطوير النظام السياسي بما يجعله أكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل.

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار

رابط الحلقة الأولى