الجمعة
2026/06/5
آخر تحديث
الجمعة 5 يونيو 2026

محمد ولد محمد الحسن يكتب للرئيس غزواني: مبادرة موريتانية للوساطة الوقائية من أجل الاستقرار السياسي في السنغال

منذ 18 دقيقة
محمد ولد محمد الحسن يكتب للرئيس غزواني: مبادرة موريتانية (…)
طباعة

رسالة مفتوحة إلى فخامة السيد محمد ولد الشيخ الغزواني

مبادرة موريتانية للوساطة الوقائية من أجل الاستقرار السياسي في السنغال

فخامة رئيس الجمهورية

أكتب إليكم بدافع الشعور بالإلحاح والمسؤولية التي تفرضها الأوضاع السياسية الراهنة في غرب إفريقيا ، ولا سيما في السنغال ، حيث يشكل استقرار هذا البلد رهانا أساسيا بالنسبة لمجمل منطقة غرب إفريقيا .

إن الديناميكيات السياسية السنغالية ، التي تتسم بتوترات بين الفاعلين المؤسساتيين ، والمسؤولين السياسيين ، والقوى الاجتماعية ، تكشف حدود الآليات الداخلية البحتة ، عندما تواجه منافسات حادة وتأويلات حزبية متباينة . وفي مثل هذه الحالات ، لا يقتصر الخطر على الجانب السياسي فحسب ، بل يمتد أيضًا إلى المستويين المؤسسي والاجتماعي .

هنا أؤيد - من هذا المنطلق - فكرة وساطة إقليمية موريتانية متعددة الأبعاد ، واضحة المعالم ومنظمة ، باعتبارها أداة للوقاية من الأزمات وتعزيز الاستقرار :
وضعية تستوجب وجود طرف ثالث موثوق به .

لقد أثبتت التجارب أن التحكيم الداخلي في سياقات التوتر السياسي ، غالبا ما يتعرض للضعف ، بسبب :
 الاستقطاب الحاد بين الفاعلين ؛
 انعدام الثقة بين مختلف الأطراف ؛
 التفسيرات الذاتية للمؤسسات ؛
 الحسابات السياسية القصيرة المدى .

وفي ظل هذه الظروف ، فإن تدخل طرف ثالث موثوق به ، لا يعد ترفا دبلوماسيا ؛ بل يمثل أداة حقيقية للحفاظ على الاستقرار .

موريتانيا (كفاعل إقليمي ) محل ثقة

تتمتع موريتانيا بموقع متميز وفريد ، يتمثل في :
 القرب الجغرافي والتاريخي والإنساني من السنغال ؛
• الامتداد الاجتماعي والثقافي والديني بين الشعبين الشقيقين ؛
• المصلحة الاستراتيجية المشتركة في استقرار منطقة الساحل وغرب إفريقيا ؛
• تنامي المبادلات الاقتصادية والتجارية وهو ما يجعل استقرار العلاقات الثنائية عاملا أساسيا لتحقيق الازدهار المشترك ؛
• الاستغلال المشترك للموارد الغازية البحرية ، ولا سيما من خلال المشاريع الطاقوية العابرة للحدود ، بما يعزز الترابط الاستراتيجي بين الدولتين ؛
• القدرة على الحوار مع جميع الأطراف دون الانخراط المباشر في تنافساتها الداخلية .

يمنح هذا الموقع بلادكم شرعية طبيعية لتيسير إطار للحوار ، شريطة أن يكون هذا الدور محددا بوضوح ، باعتباره دورا محايدا ، محدود الأهداف ، وموجها نحو خفض التصعيد .

وإلى جانب الاعتبارات الدبلوماسية ، فإن الحفاظ على الاستقرار السياسي في السنغال ، يستجيب كذلك لمتطلبات اقتصادية وطاقوية وأمنية مشتركة . كما أن نجاح المشاريع الهيكلية التي تجمع بين البلدين ، يعتمد إلى حد كبير على وجود بيئة إقليمية هادئة ، وقابلة للتوقع . (وساطة متعددة القطاعات وواقعية ).

لا يتمثل هذا المقترح في تدخل سياسي مباشر ، بل في إنشاء إطار حوار منظم يضم :
 الدولة السنغالية ؛
 القوى السياسية المختلفة ؛
 مكونات المجتمع المدني المنظم ؛
 المرجعيات الدينية والطرق الصوفية ، خاصة التيجانية والقادرية ، باعتبارهما من الركائز الأساسية للتماسك الاجتماعي .
ولا يتمثل الهدف في أن نحل محل المؤسسات السنغالية ، وإنما أن نساهم في خفض التوترات ، وتهيئة ظروف للتهدئة ، ومنع الانسدادات السياسية ، وتشجيع عملية التوصل إلى تسويات سياسية قابلة للاستمرار .

انها مسؤولية إقليمية ينبغي تحملها .

فخامة الرئيس

لا نتجاهل أن استقرار السنغال يتجاوز حدود ذلك البلد نفسه ؛ فهو يرتبط بتوازن المنطقة بأسرها . وأي أزمة مؤسساتية مطولة في هذا البلد ، ستكون لها انعكاسات مباشرة على مجمل غرب إفريقيا .

لهذا ، فإن الحياد الإيجابي لدولة شقيقة ، يمكن أن يصبح عاملا حاسما في الوقاية الاستراتيجية من الأزمات .

تذكير مهم :
مقاربة استباقية سبق إطلاقها . واسمحوا لي أن أذكر بأننا سبق أن وجهنا - عبر فخامتكم - إلى رؤساء دول الساحل ، وإلى المنظمات الإقليمية والدولية ، خارطة طريق وقائية بتاريخ 16 مارس 2021 بشأن الوضعين الأمني والسياسي في منطقة الساحل .

فقد شددت تلك الوثيقة على مخاطر عدم الاستقرار المزمن ، خاصة في تشاد ، وفي دول أخرى من المنطقة . واقترحت عدة آليات عملية للاستباق والتوقع . للأسف ، فقد أكدت الأحداث التي تلت ذلك - بأسابيع ثم بأشهر - صحة تحليلاتنا وتوقعاتنا . ولم يعر الإهتمام إلى توصياتنا إلا في مرحلة متأخرة ، بعدما كانت ديناميكية زعزعة الاستقرار قد انطلقت بالفعل ، وامتدت إلى عدة دول في الساحل ، لتنتهي في نهاية المطاف إلى تفكك مجموعة الساحل الخمس ، ثم اختفائها ! .

يجسد هذا التطور حقيقة بسيطة مفادها : أن منطقتنا لا تزال تعاني من نقص في الاستباق الاستراتيجي ، رغم أن مؤشرات الإنذار المبكر تكون في كثير من الأحيان واضحة وقابلة للرصد .

ويندرج دورنا في هذا الإطار كمواطنين غيورين على أوطانهم ؛ وكمركز للتفكير الاستراتيجي (Think Tank) ، على غرار ما هو معمول به في البيئات المؤسسية الأكثر تطورا ، حيث يتم إدماج التفكير الاستشرافي في المراحل السابقة لاتخاذ القرار العمومي .

فخامة الرئيس

أدعوكم إلى النظر بعناية في فرصة إنشاء إطار موريتاني لتيسير الحوار السياسي الإقليمي ، يتم الاضطلاع به بحذر ، ولكن - أيضًا - بوضوح وحزم . فالفترات الانتقالية السياسية تمثل : إما فرصا لتعزيز الاستقرار وترسيخ المكتسبات ، أو نقاط تحول ، قد تقود إلى أزمات أعمق . وكل ذلك يتوقف على قدرة الفاعلين على تنظيم الحوار في الوقت المناسب .

هنا ، تمتلك موريتانيا ورقة ضغط مهمة ، يمكنها أن تلعبها إذا اختارت أن تضطلع بكامل دورها ، كقوة للاستقرار ، والحوار ، والوساطة الإقليمية .

وتفضلوا ، فخامة الرئيس ، بقبول أسمى عبارات التقدير والاحترام .

محمد ولد محمد الحسن
خريج جامعة باريس دوفين
الرئيس المؤسس للمعهد الدولي للبحوث والدراسات الاستراتيجية مددراس 2Ires مركز تفكير استراتيجي .
في 4 يونيو 2026