الجمعة
2026/07/17
آخر تحديث
الجمعة 17 يوليو 2026

موريتانيا بعد 2029: هل نبني دولة أم نهدر الفرصة الأخيرة؟ (الحلقة الخامسة والأخيرة )

منذ 14 ثانية
موريتانيا بعد 2029: هل نبني دولة أم نهدر الفرصة الأخيرة؟ (…)
طباعة

قال وضاح خنفر، وهو أستاذ لامع وصحفي شهير، أمام طلابه: “إن من مساوئ الموقع أنك إذا كنت في مكان استراتيجي فلا بد أن يأخذك العالم بالاعتبار أو يسخرك لخدمة مصالحه.”

كان هدف المقالات الأربع السابقة هو تأكيد مسألتين، مصداقًا لهذه المقولة:

أولاهما: أن الوضع الاقتصادي والاستراتيجي الجديد لموريتانيا قادر على أن يحولها إلى دولة قوية، أو أن يجعلها فريسة للأقوياء.

وثانيتهما: أن المرحلة الماضية، منذ التأسيس إلى اليوم، أخفقت في بناء إطار استراتيجي لاستخراج هذه الثروة، بل وأخفقت كذلك في بناء إطار استراتيجي لإدارة الاتفاقيات.

وفي هذه الحلقة، التي ستكون الأخيرة من هذه السلسلة، سنقدم مقترحات حول الكيفية التي ينبغي أن تُدار بها موريتانيا حتى تتمكن من الاستفادة من الفرص التي تتيحها لها وضعيتها الجديدة.

إن البداية بالسؤال المُلِحّ: ما الذي جعل دولة بأكملها غير قادرة على إنتاج اتفاقيات أفضل على مدى 6 عقود ؟ هي التي ستقودنا، بعد استعراض الأسباب في المقالات الماضية، إلى تقديم تصور للحل.

إن المشكلة الأساسية التي تواجهها موريتانيا ليست في نقص الموارد، ولا في الموقع الجغرافي، ولا حتى في نقص الفرص؛ فقد أصبح ذلك من نافلة القول. وإنما تكمن المشكلة في عجز الدولة، بمؤسساتها ونخبها وأدواتها، عن فهم مقتضيات التحول بالسرعة التي تحولت بها وضعيتها، وتحول بها العالم.

ولذلك ستصبح الثروة أكبر من قدرة الدولة على إدارتها، والفرص أكبر من قدرة المؤسسات على استثمارها، والتحديات أقوى من بنية الدولة نفسها. وإذا ظلت الدولة على هذه الحال، فستبقى عاجزة عن تصور الحلول التي تجعل منها دولة قادرة، ليس فقط على تثمين موقعها، بل أيضًا على حماية نفسها وهي تقع في قلب المنافسة الدولية.

إن أي دولة تكون قدراتها المؤسسية أقل من قيمة مواردها الطبيعية تتحول ثرواتها إلى مصدر تبعية أكثر من كونها مصدر قوة، أو إلى غنيمة تتنافس عليها القوى الخارجية.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى دور النخبة الوطنية، التي ينبغي أن تحرك دفة العملية السياسية والطموح الوطني، وأن تكون شريكًا في صناعة التصورات الاستراتيجية. لكنها، في تقديري، ليست اليوم في المستوى الذي تفرضه المرحلة.

وأمام فشل النخبة، وابتلائها بالأنانيات وضيق الأفق، يبقى الرهان على قيادة وطنية تمتلك رؤية استراتيجية. فالزعيم الوطني هو الذي يقود البلد في المراحل الصعبة أو الخطيرة أو الاستراتيجية، التي تتطلب القدرة على تبني قرارات شجاعة ونافعة، ويتحمل أعباءها، ويملك من الشرعية ما يؤهله لحشد طاقات البلد وقدراته في خدمة مشروع وطني جامع.

إنه الشخص الذي يقدم مصلحة الوطن على مصلحته الشخصية ومصلحة جماعته ، ويدفع بالكفاءات والقدرات إلى مواقع التخطيط والتصور والتنفيذ.

إن موريتانيا اليوم بحاجة إلى عدة خطوات استعجالية:

• الوصول إلى قناعة وطنية بأهمية المرحلة المقبلة، ابتداءً من سنة 2029، وأنها تختلف عن كل ما عرفناه من أوضاع، وأن موريتانيا أصبحت بالفعل على حافة خطر، كما أصبحت على حافة فرصة تاريخية للتطور، وأن الفاصل بينهما ليس سوى قرار وطني تتبناه النخب، أو يقوده زعيم وطني.
• إنشاء إطار استراتيجي وطني تُسند إليه مهمة إعداد خطة لتطوير البلد خلال عقدين أو ثلاثة، بحيث يصبح هذا المشروع هو الأولوية الوطنية في التخطيط والمفاوضات والمشاريع والرؤية المستقبلية.
• بروز عقل الزعيم الوطني الذي يمتلك خصائص القيادة، والذي يجعل من بناء الدولة وتطويرها مسوولية شخصية ورهانه الأول ويستلهم إرادته من تاريخ ووجدان شعبه ؛ فالوعي بالتاريخ من أهم ما يملكه الزعيم، لأنه يجعله يشعره بمسؤوليته الكاملة تجاه شعبه، ويستلهم من تاريخ بلاده أهمية مستقبلها، فيسعى إلى إعادة الاعتبار لدورها.
كما يجعل في مقدمة أولوياته القضاء على جميع الممارسات التي تتعارض مع دولة القانون وبالدرجة الأولى القضاء على القبلية والزبونية وجميع المظاهر والممارسات التي تضعف دولة المؤسسات وأن يسعى لبناء القوة والاستقلالية .

• الحوار في هذه اللحظة حاسمة، ولا سيما في تحقيق أمرين أساسيين:

الأول: الخروج بخطوط توافق سياسي عريضة بين مختلف مكونات الطيف الوطني تدعم شرعية والقرارات الكبرى خاصة إذا كانت مؤلمة في بعض جوانبها .

الثاني: توقيع وثيقة وظيفية تتضمن الإصلاحات السياسية الجوهرية التي تلبي حاجة البلد، وتدعم فاعلية النظام الديمقراطي، وتعزز الإطار المؤسسي للشفافية.

ثم الخروج بإطار فكري يمكن أن يكون أساسًا لرؤية استراتيجية للبلد.

فإذا استقرت هذه الرؤية الوطنية، انتقل التحدي من الاتفاق على الأهداف إلى بناء الأدوات القادرة على تنفيذها.

ومن هنا تأتي مرحلة الإصلاحات، التي ينبغي أن تبدأ بتشكيل هيئة وطنية عليا للتفاوض، لأننا بدأنا بالفعل نستقبل عروضًا كبيرة تتعلق باستغلال مواردنا. وصحيح أن اختيار أعضاء هذه الهيئة يجب أن يخضع لمعايير دقيقة، لكنه لا يتطلب إجراءات معقدة، ويمكن الشروع في تشكيلها فور التوافق عليها.

وينبغي أن تضم:

• خبراء قانونيين، وجيولوجيين، وبيئيين، ومهندسين، وخبراء اقتصاديين وماليين.
• مركزًا مستقلًا للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية.
• مكتبًا دوليًا للمحاماة يعمل بالتنسيق مع خبراء وطنيين ومحامين أكفاء.
• بنكًا وطنيًا للبيانات الجيولوجية وبيانات الطاقة.
• معهدًا لتكوين المفاوضين والخبراء.
• تشريعًا يضمن مراجعة العقود دوريًا وفق مؤشرات واضحة.
• إلزام المستثمرين بنقل المعرفة، وبناء سلاسل قيمة محلية، والمساهمة في تقديم الدعم الفني للشركات ذات المحتوى المحلي.
• صندوقًا سياديًا وظيفيًا يحول الثروة المؤقتة إلى أصول دائمة.
• التعاقد مع مكاتب محاماة دولية ذائعة الصيت.

إن هذه البنية قادرة على حماية البلد من الاتفاقيات الخاطئة، كما أنها تمثل الحد الأدنى من الأدوات التي تحتاجها موريتانيا وهي تدخل مرحلة تغيرت فيها قيمتها الاستراتيجية، وارتفعت فيها القيمة السوقية العالمية لمواردها.
ومن ثم الشروع في الإصلاحات الكبرى الدستورية والاقتصادية والاجتماعية .

إن إدراك النخب لهذه الحقيقة، وإبلاغها للشعب، أمر بالغ الأهمية، لأنه يخلق وعيًا بقيمة الإصلاحات وضرورتها، ويهيئ المجتمع لتحمل كلفتها، واختيار الأشخاص القادرين على قيادتها.

وإلا فإن البلد سيجد نفسه في وسط أمواج متلاطمة، قد تحطمه إذا لم يُحسن الاستعداد للسباحة فيها.

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار