تعليق سريع على مهرجان أقطاب المعارضة
نجحت أقطاب المعارضة الموريتانية، في اختيار التوقيت المناسب لمهرجانها، والتوقيت في العمل السياسي لا يقل أهمية عن الحشد، ولا عن قوة الخطاب السياسي. لقد جاء توقيت المهرجان في لحظة سياسية واجتماعية تبدو مناسبة أكثر لتحريك الشارع واستعادة المبادرة.
فالمهرجان نُظّم في ظل أزمة اقتصادية عالمية مرتبطة بتداعيات الحرب في الشرق الأوسط، وهي أزمة دفعت الحكومة الموريتانية ـ كما دفعت حكومات أخرى ـ إلى رفع أسعار المحروقات، وهو ما انعكس سلبا على الظروف المعيشية للمواطنين.
كما جاء هذا المهرجان بعد الحكم على نائبتين من حركة “إيرا” بالسجن النافذ لأربع سنوات، وضمن ذلك انخراط الحركة وزعيمها في النشاط المعارض. ومن المعروف أن العلاقة بين “إيرا” وبقية أطراف المعارضة ظلت، خلال السنوات الماضية، علاقة متذبذبة؛ إذ نادرا ما حدث تنسيق قوي ومستمر بين الطرفين، بل إن الحركة وُجهت إليها في بعض المحطات اتهامات بإرباك العمل المعارض في اللحظات الحساسة، كما حدث عند حرق بعض الكتب الفقهية، في أوج احتجاجات المعارضة في تلك الفترة، أو خلال المشاركة في رئاسيات 2014 التي قاطعتها في ذلك الوقت المعارضة عن بكرة أبيها.
ثم إن المهرجان ـ وهذا مما يجعل توقيته مناسبا ـ أتى في وقت يشهد فيه مسار الحوار السياسي تعثرا واضحا، وتعثر الحوار يدعم حجة المعارضين الداعين للاحتجاج، فتحريك الشارع يصبح هو الخيار البديل للمعارضة عندما يتعطل الحوار، وتغيب مظاهر التهدئة السياسية.
لهذه الأسباب الثلاثة، يمكن القول إن المعارضة وُفقت كثيرا ـ من الناحية السياسية لا الأخلاقية ـ في اختيار التوقيت المناسب لمهرجانها. غير أن الحديث عن التوقيت المناسب يفرض التوقف عند ملاحظة لا تقل أهمية، وهي أن هذا المهرجان يُعد أول مهرجان تنظمه المعارضة مجتمعة منذ وصول الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى السلطة، أي بعد أكثر من ست سنوات كاملة. ومن هذه الزاوية تحديدا، وحسب توقيت ساعة جمهور المعارضة، فإن المهرجان قد تأخر لسنوات عن توقيته المناسب.
وإذا ما تركنا التوقيت جانبا، وقارنا هذا المهرجان بمهرجانات المعارضة في الفترات السابقة، فسنجد أن هناك عناصر ثابتة في المشهد المعارض، وأخرى جديدة تستحق أن نتوقف عندها بشكل سريع.
أولى هذه الملاحظات أن المعارضة الموريتانية كانت، في العهود السابقة، تنجح غالبا في الحفاظ على حد أدنى من الوحدة والتنسيق، خاصة في القضايا المتعلقة بالمهرجانات الجماهيرية والبيانات السياسية الموقعة من كل أطيافها، ولم تكن الانقسامات الحادة تظهر عادة إلا عند اقتراب الانتخابات أو عند طرح السلطة لمبادرات حوار تقبلها بعض الأطراف وترفضها أخرى.
أما الجديد خلال السنوات الست الأخيرة، فهو أن المعارضة عاشت حالة انقسام غير مسبوقة في ظروف ما كان لها أن تنقسم فيها، واستمر هذا الانقسام حتى في الفترات التي لم تكن فيها انتخابات ولا حوارات فعلية، رغم أن الحديث عن الحوار ظل حاضرا بقوة في الخطاب السياسي العام خلال السنوات الست الماضية.
ومن المؤشرات على هشاشة التنسيق القائم حاليا في صفوف المعارضة، أن المعارضة لم تستطع تنظيم مهرجانها تحت شعار موحد، وهذا تفصيل قد يبدو بسيطا في الظاهر، لكنه يحمل دلالة سياسية واضحة على أن التنسيق بين مكونات المعارضة ما يزال ضعيفا، وأن بناء جبهة معارضة متماسكة مازال بعيد المنال.
ومن بين المظاهر الثابتة في العمل المعارض الموريتاني، الحضور المتكرر لشخصيات محسوبة على أنظمة سابقة في أنشطة المعارضة، وهذا ما حدث في مهرجان المعارضة الأخير، فقد ظهر في هذا المهرجان أنصار الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز.
لقد بدأ حضور شخصيات من أنظمة سابقة في أنشطة المعارضة، وتصدر البعض منهم لتلك الأنشطة، منذ الإطاحة بالرئيس السابق معاوية ولد الطايع، واستمر ذلك خلال العهود اللاحقة، ولذا فلم يكن غريبا ظهور أنصار الرئيس السابق في مهرجان المعارضة الأخير.
إن هذه التحالفات قد تكون مفيدة من الناحية التكتيكية للمعارضة، فهي قد تساعد في زيادة الحضور للأنشطة، لكنها من الناحية الاستراتيجية تربك الجمهور، وتُضعف من قوة الخطاب المعارض.
ومما يجب التوقف عنده في ختام هذا التعليق السريع على مهرجان المعارضة، أن هذا المهرجان جاء بعد يوم واحد فقط من نشاط نظمه حزب الإنصاف. إن هذا التزامن بين النشاطين المنظمين من طرف حزب الإنصاف وأقطاب المعارضة، بعد طول انتظار، يعبر عن “توازن في الضعف” تعيشه الأغلبية والمعارضة على حد سواء.
ومن الواضح أن هناك محاولات داخل الأغلبية والمعارضة للخروج من توازن الضعف هذا، ويبقى السؤال: أي الفريقين سيكون أكثر قدرة على تجاوز نقاط ضعفه، ليحتل صدارة المشهد السياسي خلال السنوات القادمة، والتي هي سنوات حاسمة ـ وبلا شك ـ في تحديد مصير كليهما؟
ذلك سؤال سأتركه مفتوحا لمن أراد أن يجيب عليه.
حفظ الله موريتانيا...
محمد الأمين الفاضل




