الاثنين
2026/05/11
آخر تحديث
الاثنين 11 مايو 2026

ما هي فائدة التقليل من قيمة المعارضة؟

منذ 12 ثانية
ما هي فائدة التقليل من قيمة المعارضة؟
طباعة

لا يمكن للديمقراطية أن تتحول إلى حقيقة راسخة ونظام حيوي وفعّال إلا بوجود معارضة وطنية قوية؛ فالمعارضة ليست عبئًا على الديمقراطية، بل هي جزء أساسي من بنيتها ووظيفتها. ومن دونها تتحول السلطة إلى فضاء مغلق يفتقد الرقابة والتوازن والتنافس السياسي الحقيقي . فالمعارضة هي التي ترفع مستوى يقظة المجتمع، وتشد انتباه الرأي العام إلى قضايا الشأن الوطني، كما تمارس الرقابة على العمل الحكومي، وتطرح البدائل، وتدفع نحو التناوب السلمي على السلطة.

صحيح أن المعارضة قد تعاني أحيانًا من ضعف في الأداء أو محدودية في التأثير، لكن ذلك يرتبط في جانب كبير منه بضعف التجربة الديمقراطية نفسها، وباختلال فرص المشاركة السياسية والاقتصادية بين الموالاة والمعارضة . فالمعارض في كثير من الأحيان يحرم من بعض الحقوق والفرص المتاحة للمنخرطين في دعم النظام، وهو ما يجعل كلفة الموقف السياسي مرتفعة.

كما أن حجم الاصطفاف السياسي، وضعف الاحتكاك السياسي المباشر، واعتماد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لنهج المهادنة والتهدئة، كلها عوامل تجعل المظهر المعارض أقل حماسًا في الشارع، دون أن يعكس ذلك بالضرورة الحجم الحقيقي للتعلق بخيار المعارضة. فالمعارضة الحقيقية تظهر في القناعات العميقة وفي صناديق الاقتراع، وليس فقط في حجم الحضور الجماهيري في المهرجانات السياسية. لذلك فإن قياس قوة المعارضة من خلال الحشد وحده يظل تفسيرًا ناقصًا وغير موضوعي.

ثم إن المزاج الشعبي العام يتأثر بعوامل اقتصادية مباشرة، مثل ارتفاع الضرائب، وغلاء الأسعار، وتراجع القوة الشرائية، والتقلبات في سعر الطاقة المستمرة وفي سعر الصرف، وهي كلها قضايا تمس الحياة اليومية للمواطن ، وهو ما يخلق حالة تذمر اجتماعي لا تنفع معها أكثر التبريرات موضوعية، ولايمكن تجاهلها .

وفي المقابل، تواجه المعارضة أزمة خطاب ومفرداته وترتبط عند الكثيرين باللغة الخشبية وعدم ممارسة الرقابة على الألفاظ واستباحة أعراض الحكومة والرئيس مما يمنع الكثيرين من الظهور فيها حتى وإن كان في صفها ،إضافة إلى مشاكل بنيوية داخلية تتمثل في ضعف الانسجام بين مكوناتها، وهيمنة التيارات اللونية والفئوية، وغياب الخطاب الموحد، وتراجع الكاريزما السياسية والمرجعيات الفكرية القادرة على تعبئة الجماهير. وفي مثل هذه الحالات يصبح البعض مترددًا، لأن البدائل لا تبدو يقينية أو مقنعة بما يكفي.

ومن مظاهر الأزمة أيضًا تراجع الشخصيات الوطنية الكاريزمية داخل المعارضة، لكن هذا الأمر لا يخص المعارضة وحدها، بل يطال المشهد السياسي عمومًا. ولذلك يصعب إعداد لائحة من الشخصيات الكاريزمية في الأغلبية تكون محل توافق في قيادة "مشروع الأغلبية".

إن طبيعة المناخ السياسي تجعل كثيرًا من الشخصيات الوطنية ذات الطموح الكبير تتجنب التوجه إلى المعارضة، لأن ذلك قد يعرضها للإقصاء أو التضييق أو فقدان الفرص وهذا من مخلفات سوء الحكامة السياسية الموروث . ولهذا فإن أي حوار سياسي جاد ينبغي أن يفضي إلى توفير حماية دستورية وسياسية للمعارضة، حتى لا يصبح الانتماء إليها عنوانًا للحرمان أو التهميش أو النبذ.

فالمعارض، في جوهره، هو شخص يرى أن طريقة إدارة الشأن العام تحتاج إلى مراجعة أو تصحيح، ويملك من الجرأة والوطنية ما يجعله يعلن رفضه لبعض السياسات أو للنموذج القائم. ولذلك فإن وجود المعارضة ليس خطرًا على الدولة، بل ضمانة لصحتها السياسية.

إن المعارضة ضرورة وطنية لتطوير الديمقراطية، وترقية الأداء العمومي، وتكريس مبدأ التناوب، وتغيير المقاربات والسياسات عند الحاجة. وهي أيضًا وسيلة لترسيخ ثقافة التعدد والاختلاف، ومواجهة عقلية الانصياع الأعمى ومنطق القطيع السياسي. لذلك فالمعارضة ليست حالة عرضية أو مجرد ديكور داخل المشهد العام، بل هي فعل أخلاقي ووطني يمنح النظام السياسي الحيوية والديناميكية. وفي المقابل، تظل المساندة في جوهرها فعلًا سياسيًا تحكمه غالبًا المصالح والمواقع، بينما تستند المعارضة — في صورتها المثالية — إلى دوافع قيمية ومبدئية.

صحيح أن المعارضة بدأت تفقد بعض رموزها الوطنية الذين عُرفوا بالثبات على مواقفهم وتقديمهم للمصلحة العامة وفق قناعاتهم، وصارت تتجه نحو الشعبوية والشرائحية ،ثم أن أزمة الثقة والمصداقية أصبحت مشكلة عامة في الحياة السياسية، وليست حكرًا على طرف دون آخر. كما أن الرئيس غزواني، رغم أنه لا يُعرف بالحدة أو لا بالشطط، لا يملك حتى الآن آليات فعالة تحمي المعارضين من الإقصاء غير المباشر أو من الضغوط التي تُمارس ضدهم.

والمعارضة اليوم ليست معارضة واحدة، بل مجموعة من المعارضات المتفرقة، ولم تستطع بعد أن تصنع جمهورًا سياسيًا خاصًا بها قائمًا على نقد الواقع وطرح بدائل عملية قابلة للتطبيق. وفي المقابل، يسيطر النظام على أغلب مفاصل الحياة العامة، بما في ذلك المجال الاقتصادي والإداري وفرص التدرج الوظيفي، وهو ما يجعل كثيرًا من المعارضين يشعرون بأن طريق التناوب طويل وغامض المعالم وهو ما يجعل خيار المعارضة خيارا اخلاقيا .

إن هذه الوضعية لا تساعد على قيام معارضة قوية وفعالة، وهو أمر لا ينبغي اعتباره مفخرة ديمقراطية، بل أحد أبرز نقائص التجربة السياسية. فالخطر الحقيقي يبدأ عندما يتم إضعاف المعارضة الوطنية المسؤولة، لأن الفراغ الذي تتركه قد تملؤه معارضات متطرفة أو غير مسؤولة لا تعبأ بمصلحة الوطن واستقراره. وتجارب دول مثل ليبيا والعراق وسوريا والسودان واليمن تقدم نماذج مؤلمة عن معارضات غير مسؤولة حولت الفعل المعارض في بلدانها إلى الصراع والانقسام والتدخلات الخارجية وكانت أدوات ساهمت في انهيار الدول بدل إصلاحها.

إن الهجوم على المعارضة أو التقليل من شأنها ليس فعلًا وطنيًا ولا أخلاقيًا، لأن الديمقراطية الحقيقية لا تقوم على الصوت الواحد، بل على التعدد والتوازن واحترام الاختلاف. كما أن الديمقراطية ينبغي أن تتحول إلى أداة فعلية لبناء الأمل الوطني وفتح المجال أمام الطموحات والكفاءات، لا إلى مجرد إطار شكلي لإعادة إنتاج الواقع نفسه.

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار