كلمة الزاوية الكبرى لسيدي مولود فال الموسوى اليعقوبي في الندوة المنظمة حول حياة واعمال الحاج عمر بن سعيد طال الفوتى
كلمة الزاوية الكبرى لسيدي مولود فال الموسوى اليعقوبي في الندوة المنظمة حول حياة واعمال الحاج عمر بن سعيد طال الفوتى
المنظم من لجمعية ريندو – شيخ عمر الفوتي
( نواكشوط 8 و9 مايو 2-26م )
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد الفاتح الخاتم الهادي عين الرحمة عين الحق طلعة الحق وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، ورضي الله عن خاتم الولاية المحمدية رجلها من قاف إلى قاف مولانا أبي العباس أحمد بن محمد التجاني وعن جميع خلفائه وورثته المخصوصين
الحمد لله الذي جعل المحبة في الله ميراث الصالحين، وربط بين أهل العلم والولاية برباط النصرة والإخاء، وجعل التآخي بين أهل المعرفة والتربية من أعظم أسباب حفظ الدين وانتشار الهداية، ورفع منارات العلم والجهاد والإحسان برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فجمعوا بين خدمة الشريعة وتزكية الأرواح ونصرة المستضعفين ونشر نور الإسلام في الآفاق.
ونحمده سبحانه على ما أورث هذه الأمة من خصوصيات العلم والولاية، التي تعاقبت فيها قلوب العارفين على المحبة والوفاء جيلا بعد جيل، حتى بقيت آثارهم حية في النفوس، ومآثرهم منارات تهدي السالكين وتجمع القلوب على معاني الصفاء والوحدة والإخلاص.
والحمد لله على الطريقة التجانية، التي ظلت عبر تاريخها في إفريقيا والعالم الإسلامي، تتصدر المدارس الروحية والعلمية التي أسهمت في نشر الدين، وترسيخ العقيدة، وإحياء معاني الإحسان والتربية، والمحافظة على بيضة الإسلام في أزمنة الفتن والاضطرابات.
فجمعت بين العلم والعمل، وبين التربية والجهاد، وبين الدعوة إلى الله وخدمة المجتمعات، حتى خرجت أجيالا من العلماء والمجاهدين والدعاة الذين حملوا رسالة الإسلام إلى الآفاق، ونشروا قيم السلم والعدل والتزكية، ودافعوا عن أوطانهم وأمتهم وهويتهم الدينية والحضارية.
وكان من أبرز أعلام هذه المدرسة المباركة في القرن 13، الإمام المجاهد الشيخ الحاج عمر الفوتي تال رضي الله عنه، الذي مثّل نموذجا فريدا للعالم العامل، والعارف المجاهد، فوحّد بين الدعوة والإصلاح والجهاد، وأسّس تجربة إسلامية وروحية تركت أثرا عميقا في غرب إفريقيا، كما كان من رجالاتها الكبار جدنا الشيخ سيدي مولود فال رضي الله عنه، الذي أسهم بعلمه وتربيته وربانيته في ترسيخ معاني الطريقة وخدمة أهلها وربط جسور المحبة والتواصل بين أعلامها وأقطابها، حيث خص الله سنده المبارك وفروعه المنتشرة شرقا وغربا، بالخلود والاستمرار وقوة المدد.
السادة العلماء والمشايخ،
أصحاب المقامات العلمية والروحية،
الحضور الكريم..
أتشرف في مستهل هذه الكلمة أن أبلغكم تحيات ودعوات الخليفة الأخ الأكبر الشيخ أحمد التجاني السيد مولود فال، الذي كلفني، رفقة الأخ الأكبر السيد محمد عبد الرحمن السيد مولود فال، بتمثيله هنا في هذا المؤتمر الدولي المبارك المنعقد احتفاءً بحياة وأعمال القطب المجاهد، والعارف بالله، الشيخ الحاج عمر الفوتي تال رضي الله عنه وأرضاه.
كما نعبر عن بالغ تقديرنا للقائمين على هذا المؤتمر، وفي مقدمتهم فضيلة نور الشيخ عمر منتقى طه تال، القائد الروحي لجمعية "ريندو – شيخ عمر الفوتي"، والممثل الرسمي لخلافة الحاج عمر الفوتي التجاني ولسان حضرتها، على هذه المبادرة العلمية والوفائية التي تعيد تسليط الضوء على سيرة رجلٍ جمع بين العلم والجهاد والتربية والدعوة، فصار علما من أعلام الإسلام وإفريقيا وهاديا مهديا في طريقتنا الطريقة التجانية.
أيها السادة الأفاضل،
إن الحديث عن الشيخ الحاج عمر الفوتي رضي الله عنه لا ينفصل في وجداننا العائلي والروحي عن الحديث عن جدنا الشيخ سيدي مولود فال رضي الله عنه، لما جمع بينهما من أواصر المحبة والتقدير والتواصل العلمي والروحي، وهي العلاقة التي توارثها الأبناء والأحفاد جيلا بعد جيل، وظلت عنوانا للأخوة والتواصل بين البيتين الكريمين.
لقد كان الشيخ سيدي مولود فال رضي الله عنه على اطلاع دائم بأخبار الشيخ الحاج عمر الفوتي وجهاده ونشره للإسلام والطريقة التجانية في بلاد السودان الغربي، كما كان يعلم بمكانته العلمية والروحية بعد رحلته المشرقية وصحبته للسيد محمد الغالي بو طالب بالمدينة المنورة.
ومن جميل الأقدار أن الصلة بين الشيخين سبقتها صلة روحية وعلمية أخرى، تمثلت في الشيخ عبد الكريم الناقل الفوتي، الذي تربى سنوات في خدمة الشيخ سيدي مولود فال رضي الله عنه، وأخذ عنه الإذن والإجازة، ثم عاد إلى بلاد فوته ناشرا للطريقة التجانية، فكان من الذين لقنهم الورد التجاني الشيخ الحاج عمر الفوتي رضي الله عنه، وذلك بسندين أحدهما عن طريق الشيخ محمد الحافظ والثاني عن طريق الشيخ محمد الغالي بوطالب.
وقد نص الشيخ عمر نفسه على ذلك في كتابه العظيم “الرماح”، حيث قال "وأما سندنا إلى الشيخ رضي الله تعالى عنه ثم إلى جده صلى الله عليه وسلم في هذه الطريقة وأذكارها فقد نظمني في سلكها ووصلني بسلسلة أتباعها ولقنني أذكارها اللازمة الشاب العاقل والفتى الفاضل والعالم العامل والتقي الكامل سيدي عبد الكريم بن أحمد الناقل وهو لقنه الشيخ الجليل والفاضل النبيل سيدي مولود فال ذو الخلق الجميل ..وهو لقنه الشيخ محمد الحافظ وهو لقنه الشيخ التجاني رضي الله عنه؛ ولقنه أيضا سيدي عبد الكريم وهو لقنه سيدي مولود الولي الحميم وهو لقنه النبيه الغالي سيدي محمد الغالي وهو لقنه من سعد به التقي والجاني سيدي أحمد بن محمد التجاني وهو لقنه سيد الوجود وعلم السعود سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم".
ومما غاب عن الباحثين في شؤون الطريقة أن الشيخ سيدي مولود فال هو الذي أطلع الشيخ عمر على مقام ومكانة السيد محمد الغالي بوطالب إذ سبق أن لقيه خلال زيارته الأولى لفاس عام 1230 ه وأخذ عنه وتلقى منه الإجازة.
وهكذا شاء الله أن يكون لجدنا الشيخ سيدي مولود فال دور في البدايات الأولى لدخول الطريقة التجانية إلى منطقة فوته عبر تلميذه عبد الكريم، قبل أن تتوسع بعد ذلك على يد الشيخ عمر الفوتي رضي الله عنه حتى أصبحت مدرسة روحية كبرى امتد إشعاعها في إفريقيا كلها.
وفي سنة 1261 للهجرة، قام الشيخ سيدي مولود فال برحلته المشهورة للقاء الشيخ عمر الفوتي، مصطحبا معه تلميذه العالم الورع السيد محمد عالي ولد محنض رضي الله عنه. وعندما وصل إلى ادويره، وجد الشيخ عمر منشغلا بمباحثات سياسية مع المقدم كاي، القائد العسكري الفرنسي ومدير الشؤون السياسية في السنغال، كما أثبتت ذلك التقارير الإدارية الفرنسية.
لكن ذلك لم يمنع الشيخ عمر رضي الله عنه من أن يستقبل الشيخ سيدي مولود فال بما يليق بمقامه، فأكرمه غاية الإكرام، وخصص له مكانا وخدما، وكان يتردد عليه يوميا، في مشهد يعكس ما كان بين الرجلين من التقدير المتبادل والمحبة الصادقة.
وقد أعجب الشيخ سيدي مولود فال إعجابا عظيما بشخصية الشيخ عمر، وبعلمه، وهمته، وجهاده، وبكتابه “الرماح”، حتى إنه لما أراد العودة إلى أهله أهداه الشيخ عمر جرابا مملوءا بالذهب الخالص، فقبل الهدية أدبا ثم ردها قائلا: “لا حاجة لي بالذهب، فاستعن به على ما أنت فيه من الجهاد”، وأضاف: “الهدية التي أريدها هي نسخة من كتابك الرماح”.
وهنا تظهر عظمة العلاقة بين الرجلين؛ علاقة أهل العلم والهمة، حيث كان الكتاب والعلم عندهما أعظم من الذهب والمتاع؛ فأمر الشيخ عمر تلامذته بنسخ كتاب “الرماح”، حتى أخذ كل واحد صفحة، وتم نسخ الكتاب في يوم واحد، فعاد به الشيخ سيدي مولود فال معجبا به وبصاحبه.
وقد خلدت الروايات كلمات مؤثرة قالها الشيخ سيدي مولود فال بعد لقائه بالشيخ عمر؛ ومن أبلغها قوله:
“عدم لقيا الشيخ عمر مصيبة في الدين”؛ وقوله: قدمت عليه وأنا أرى أني الشيخ له، فإذا هو الشيخ”؛ وقال رحمه الله: “لم يقدر أهل الطريقة الشيخ عمر حق قدره، إذ لم يركبوا في فلكه ولم يستضيئوا ببدره”.
وما قاله سيدي مولود فال هنا على سبيل تعظيم شأن الشيخ عمر، كان في مرحلة أولى من ظهور الشيخ الحاج عمر رضي الله عنه، لكن الموقف تغير بعد ذلك وانضم كبار العلماء العلويين إلى الشيخ عمر وبايعوه وانضموا لجيشه مجاهدين تحت لوائه مثل العلامة المختار ولد ببان جد الزعيم الوطني الخالد السيد أحمدو بن حرمه بن ببان الذي انضم لجيش الشيخ عمر مجاهدا في صفوه وكالسيد أحمد بن محم العلوي الذي لازم الشيخ الحاج عمر مجاهدا ومنافحا عنه بنثره وشعره.
وبعد عودة الشيخ سيدي مولود فال من لقاء الشيخ عمر، ألف السيد أحمد “آبه” بن بدي بن سيدين رضي الله عنه كتابه “الدرع والمغفر في الذب عن الشيخ عمر”.
ومن الواضح أن الفضل في انحياز مشائخ الطريقة من السادة العلويين للشيخ الحاج عمر رضي الله عنه ودفاعهم عنه يعود كله لما أظهره الشيخ سيدي مولود فال من إشادة بالشيخ عمر؛ فالمشايخ المذكورون قبل قليل كلهم تلامذة للشيخ سيدي مولود فال.
أيها الحضور الكريم،
إننا اليوم، ونحن نستحضر هذه الصفحات المضيئة من تاريخ العلاقة بين الشيخين الجليلين، فإننا لا نستحضر مجرد وقائع تاريخية، بل نستحضر نموذجا للأخوة الروحية، والتعاون على خدمة الإسلام، ونشر العلم، وتوحيد القلوب، وهي القيم التي تحتاجها أمتنا اليوم أكثر من أي وقت مضى.
“وإننا، انطلاقا من هذا الإرث الروحي والعلمي المشترك بين الجدين الجليلين الشيخ سيدي مولود فال والشيخ الحاج عمر الفوتي رضي الله عنهما، نؤكد استعدادنا الكامل لمواصلة توثيق هذه الصلات المباركة وتعزيزها بين الأحفاد والمريدين والمؤسسات العلمية والروحية التابعة للطرفين، عبر توسيع مجالات التواصل والتبادل الثقافي والعلمي، والمشاركة المتبادلة في المناسبات الدينية والملتقيات الفكرية والروحية، وتشجيع الدراسات والبحوث التي تعنى بتاريخ العلاقات بين المدرستين، بما يسهم في حفظ هذا التراث المشترك وإحيائه، وترسيخ قيم الأخوة والمحبة والوحدة التي قامت عليها الطريقة التجانية عبر تاريخها، وتوريث هذه المحبة الصادقة للأجيال القادمة حتى تبقى روابط الوفاء والإخاء ممتدة بين الأبناء والأحفاد كما كانت بين الآباء والأجداد.
كما نعتبر أن المحافظة على هذه الروابط ليست مجرد وفاء للماضي، بل هي مسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل، لما تمثله من نموذج مضيء لوحدة أهل العلم والتربية والجهاد في خدمة الإسلام ونشر قيم الاعتدال والسلام والمحبة في مجتمعاتنا الإفريقية والإسلامية.”
نسأل الله أن يجزي الشيخ الحاج عمر الفوتي، والشيخ سيدي مولود فال، وسائر أئمة الطريقة التجانية، خير الجزاء، وأن يديم روابط المحبة والتواصل بين أحفادهم ومريديهم، وأن يجعل هذا المؤتمر مباركا نافعا، وأن يوفق الجميع لما فيه خدمة الإسلام والمسلمين.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.




