أفلام.. “وعد الشيطان” ومشروع تفكيك الدولة
لنكن واضحين: حركة “أفلام” لم تكن يومًا حركة حقوقية بريئة، ولا تعبيرًا صادقًا عن مظلومية اجتماعية. إنها مشروع سياسي صدامي وُلد خارج سياق المجتمع، وتغذّى على رواية مصطنعة، هدفها تفكيك التماسك الوطني لا إصلاحه .
التاريخ الذي تحاول هذه الحركة تزويره لم يكن يومًا صراعًا عرقيًا ولا اضطهادا بالمعنى الذي تروّج له بين مكونات المجتمع الموريتاني، رغم تعقيداته، فلم يكن هناك وضع في تاريخ البلد قائم على ثنائية “الجلاد والضحية” كما تصوّره أدبيات “أفلام”، بل على تداخل حقيقي بين مكوناته. الصراعات البينية التي عرفها المتجمع وكانت جزء من نظامه وحياته، كان أغلبها بين البيظان ولم تكن ضد الزنوج . ومع ذلك ظل المكون الزنجي،حاضرًا في قلب هذا التاريخ ومعادلاته ليس بسبب القوة ولا الوفرة لكن بسبب وشائج العلاقات والترابط .
لكن “أفلام” لم تحتمل هذا الواقع، لأنه لا يخدم مشروعها. فاختارت أن تعيد كتابة التاريخ بعيون أيديولوجية تابعة للغير،بعيدة عن أهداف الانسجام وتطوير البلد ذاتيا ، وأن تخلق أزمة حيث لا توجد أزمة بنيوية. رفعت شعار “التعريب” كذريعة ضد ثقافتها ، وقدّمت اللغة العربية كأداة قمع، في طرح يصطدم بحقيقة أن الدولة نفسها، في مراحل مفصلية، كانت تُدار جزئيًا بأبناء المكون الذي تدّعي الحركة الدفاع عنه، من قيادة القطاعات السيادية إلى قيادة الجيش إلى أعلى هرم السلطة رئاسة البرلمان إلى ديوان رئيس الجمهورية إلى البريد والصحة والتجهيز وغيره وغيره ..وقد كان من اهم تجليات هذا الحضور هو اقتراح منصب نائب الرئيس من طرف المختار ولد داداه في مشروع دستور 1961 لمكون الزنوج الذي لايمثل حينها أو بالكاد 10% من الشعب .
هذه ليست مفارقة عابرة، بل فضيحة سردية.
الأخطر من ذلك أن “أفلام” لم تكتفِ بتشويه الداخل، بل صدّرت روايتها إلى الخارج، وقدّمت موريتانيا كـ”دولة فصل عنصري” في خطاب أقرب إلى الدعاية السياسية المفضوحة منه إلى النضال. لم يكن الهدف إصلاح الداخل، بل الضغط عليه من الخارج، ولو على حساب سمعة البلد واستقراره.
وهنا تحديدًا يتكشف جوهر المشروع: ليس بناء دولة عادلة، بل كسر الدولة القائمة وإعادة تشكيلها وفق منطق عرقي ضيق. وهو طرح لم يجرؤ كثيرون يريدون مناصرة الحركة على تبنيه علنًا، لأنه ببساطة جرم في حق التاريخ والحاضر والشعب .
لقد كانت النتيجة؟ سنوات من التشويش، واستنزاف الطاقات، وضرب صورة البلد في الخارج بكل وأقبح الاتهامات والوسائل . كل ذلك دون أن تنجح الحركة في بناء قاعدة شعبية حقيقية، لأن المجتمع – ببساطة – لم يشترِ هذه الرواية ودون ان تتمكن رغم الدعم الفرنسي من إثبات المزاعم في الخارج .
واليوم، تعود نفس الوجوه وإن كانت للأسف مازالت تحمل نفس المواقف والضغائن للغة وللهوية الحضارية للبلد ، وبنفس الذهنية، لكن بعبارات أكثر نعومة. وترفع على طريقتها شعار “المصالحة”، مع إصرارها على أحياء الأوجاع بشكل دائم داخل المجتمع و استخدام لغة الأجنبي في التواصل مع الجميع أي دون أي مراجعة شاملة حقيقية لأفكارها . ومع ذلك يُطلب من المجتمع أن ينسى، بينما لا شيء تغيّر في جوهر الخطاب ولا الإصرار على إنكار والتنكر للثوابت .
فهل سيمر هذا بسهولة!؟
فالمصالحة ليست صفقة سياسية، وليست عفوًا مجانيًا عن خطاب استهدف وحدة البلد لعقود. المصالحة تعني الاعتراف، تعني المراجعة، تعني القطعية مع الماضي. أما إعادة تدوير نفس الأفكار تحت لافتة جديدة، فليس سوى محاولة التفاف مفضوحة.
إن أي سلوك رمزي أو سياسي يستفز الحس الوطني اليوم لا يمكن تفسيره كخطأ عابر، بل كإشارة واضحة على أن الأزمة لم تُحل، بل تم تأجيلها فالعودة لارض الوطن برايات حملت تحت شعار الانفصال ليس ضمن أي سلوك ولا مبدأ للمصالحة يعيدونا لمربع البداية ويمنعنا من أن ننسى بل هو رفض لفرص السلم والحلم فهل هذا هو الجواب النهائي "لأفلام "! .
المجتمع الموريتاني ليس هشًا كما تتصور “أفلام”، لكنه أيضًا ليس ساذجًا. قد يقبل بالحوار، لكنه لن يقبل بابتزاز هويته أو إعادة كتابة تاريخه وفق أجندات ضيقة.
اللحظة الحالية حاسمة: إما أن تتحول هذه الحركة فعليًا إلى فاعل سياسي وطني، يتخلى عن خطاب التفكيك ويقبل بقواعد اللعبة الوطنية على ثوابت التاريخ واللغة والثقافة والهوية ، أو أن يعود من حيث أتى ويبقى مجرد صوت نشاز يعيش على التوتر ويقتات على الانقسام.
أما الرهان على كسر الدولة من الداخل أو الخارج، فقد سقط عمليًا… ولن يُسمح بإحيائه مرة أخرى.
لقد سقط وعد الشيطان .
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار




