انطباعاتي حول تسع ساعات من المكاشفة: كيف أدير الحوار بين رئيس الجمهورية وقادة المعارضة؟
الحديث فقط عن بعض النقاط التي أثيرت في اللقاء .
حظي اللقاء المطول الذي جمع رئيس الجمهورية بقيادات معارضة باهتمام سياسي وإعلامي واسع، بالنظر إلى توقيته وسياقه الوطني. واستناداً إلى ما نقله بعض الحاضرين من تفاصيل وملاحظات حول مجريات النقاش، يمكن قراءة هذا اللقاء باعتباره محطة هامة في رسم ملامح العلاقة بين السلطة والمعارضة.
يبدو أن قادة المعارضة دخلوا الاجتماع وهم مسلحون بأسئلة الرأي العام النابضة، ومستندون إلى ما يتداوله المواطنون من شكاوى وتظلمات تتعلق بأداء بعض القطاعات الحكومية، وإلى ما أثير من جدل حول عدد من القرارات والإجراءات العمومية، بل وحتى القضايا المثيرة لللبس في الشارع العام، بغية استيضاح الحقائق من هرم السلطة مباشرة.
وفي المقابل، بدا رئيس الجمهورية مستعداً بأجوبة دقيقة ومفصلة، اتسمت بالهدوء والانفتاح، بعيداً عن أي نزعة لاستعراض السلطة أو فرض الرأي. فقد قدم تفسيرات عكست إلماماً واسعاً بالملفات المطروحة، ومتابعة دقيقة لمسارات اتخاذ القرار، مستنداً في كثير من ردوده إلى مرجعيات قانونية وإدارية واضحة. ولعل أكثر ما لفت انتباه الحاضرين أنه لم يسعَ إلى التنصل من مسؤوليات الدولة، كما لم يتسرع في الإقرار بأخطاء أو اختلالات لم تثبت لديه بالأدلة والمعطيات، محافظاً طوال النقاش على أن تكون المصلحة العامة واحترام القانون هما المرجعية الحاكمة لكل موقف وجواب.
شرعية التوافق لا وفرة الأصوات
كما حرص الرئيس على الإشادة بدور المعارضة، مؤكداً أنها ركن أساسي في الحياة الديمقراطية، وأن وجودها القوي والفاعل يشكل عنصراً ضرورياً في توازن النظام السياسي. وأوضح أنه بالرغم من استناد السلطة التنفيذية إلى أغلبية برلمانية مريحة تمنحها القدرة على تمرير التشريعات، إلا أن الرئيس يرى في التشاور مع المعارضة ضرورة وطنية لتأمين "شرعية التوافق" حول الخيارات الاستراتيجية، مؤكداً أن الاستقرار المستدام لا تصنعه وفرة الأصوات في البرلمان بقدر ما يصنعه التوافق في الفضاء الوطني العام.
كما دعا قادة المعارضة إلى استثمار فرصة اللقاءات المباشرة معه، باعتبارها مناسبات هامة لمناقشة القضايا الوطنية الكبرى والاستراتيجية، بدل حصرها في تسجيل المواقف السياسية اليومية، خاصة وأن الساحات المخصصة لذلك متاحة ومتعددة، من البرلمان إلى وسائل الإعلام والبيانات والمهرجانات السياسية.
وفيما يتعلق بالحوار الوطني، أوضح الرئيس أن هدفه الأساسي هو معالجة القضايا الوطنية الكبرى التي تحتاج إلى تسويات نهائية وتوافقات تاريخية، لا الانشغال بالملفات الجزئية أو الظرفية التي يمكن معالجتها في أطر حوارية متخصصة وموازية. واستدل على جدية اهتمامه بالحوار بكونه أدرجه ضمن برنامجه الانتخابي، وتحدث عنه في خطاب التنصيب، وعيّن لتنسيقه شخصية تحظى بثقته الكاملة، بما يعكس الإرادة السياسية الممنوحة لهذا المسار.
قواعد الحوار وحصانة الدستور
أما بشأن الجدل المتعلق بالمأموريات الرئاسية، فقد شدد الرئيس على موقفه المبدئي بالنأي بنفسه عن نقاشات المأموريات، مؤكداً التزامه بالضوابط الدستورية الحالية، وأنه غير معني إطلاقاً بنقاش المأمورية الثالثة أو العاشرة. وفي خطوة لتبديد مخاوف المعارضة وتأكيداً لدوره كـ"حَكَم دستوري"، وضع الرئيس قاعدة حاسمة لآلية اتخاذ القرار في الحوار تقوم على "التوافق الإجماعي بدلاً من المغالبة العددية"؛ مؤكداً أن أي مقترح لا يحظى بتوافق الأطراف المشاركة لن يكون جزءاً من مخرجات الحوار، وأن ما سيتم اعتماده هو فقط ما يحظى باتفاق المتحاورين، وهو ما يمنح المعارضة حق الفيتو الضمني ضد أي مقترحات أحادية قد تطرحها الأغلبية بشأن المواد المحصنة دستورياً بل وجه المعارضة إلى رفض ما لا يوافقهم في الحوار .
وفيما يخص قضية البرلمانيات السجينات، أكد الرئيس على مبدأ "استقلال السلطة القضائية"، مشيراً إلى أنه حرص على التحقق من سلامة المساطر القانونية عبر القنوات الرسمية من خلال استفسار وزير العدل، لضمان مطابقة الإجراءات المتخذة للضوابط القانونية والقضائية المعمول بها، والنأي بالملف عن أي استغلال أو تعسف سياسي.
ملف المحروقات: مقاربة اقتصادية في ميزان النقاش
أما ملف المحروقات، فقد اتسم النقاش حوله بقدر ملحوظ من الشفافية والانفتاح. إذ استدعى الرئيس رئيس سلطة تنظيم قطاع المحروقات ومدير شركة “صومير” لعرض وجهة نظرهما والرد مباشرة على تساؤلات المعارضة. ووفق ما نقله بعض الحاضرين، فإن الرئيس لم يتبنَّ بصورة تلقائية جميع التبريرات المقدمة، بل أبدى تفهماً لعدد من الهواجس التي أثارتها المعارضة، وأقر ضمنياً بأن بعض النقاط ما زالت بحاجة إلى مزيد من التوضيح والإقناع.
وفي معرض الحديث عن الأسعار وتكاليف المعيشة، دافع الرئيس عن خيار "الدعم الاستهدافي الذكي" كبديل للدعم الأعمى للمحروقات الذي يستنزف ميزانية الدولة لصالح الفئات الأكثر ثراءً واستهلاكاً دون أن تستفيد منه الفئات الهشة بالقدر الكافي. ورغم أن المعارضة ركزت محقّة على التبعات التضخمية الفورية لرفع دعم المحروقات (انعكاسه على تكاليف النقل وارتفاع أسعار المواد الأساسية)، فإن حجة الرئاسة استندت إلى رؤية هيكلية ترى في توجيه الدعم مباشرة إلى الفئات المستحقة (عبر برامج الحماية الاجتماعية، السلات الغذائية، والتحويلات النقدية) وسيلة مثلى لإعادة توزيع الثروة وخلق مساحات مالية لدعم قطاعات إنتاجية كالصحة والتعليم، شريطة أن تتحول هذه البرامج من مجرد شبكة أمان ظرفية لمواجهة الصدمات إلى سياسة حماية اجتماعية مستدامة ومحوكمة بدقة لمنع تسرب أموال الدعم.
وبخصوص قانون الرموز، أظهر الرئيس مرونة سياسية بتفهمه للانتقادات الموجهة له، إلا أنه تمسك بمرجعية "المؤسسية الإجرائية"، موضحاً أن مراجعة القوانين النافذة وتعديلها يجب أن يمرا عبر القنوات التشريعية الدستورية نفسها التي تم من خلالها اعتمادها، بما يضمن احترام مبدأ دولة القانون، وأكد أنه سينظر في مراجعته .
كما أن في ذلك إشارة ضمنية إلى فتح الباب عملياً أمام المعارضة لتضمين تعديل هذا القانون في البرلمان أو ضمن أجندة الحوار الوطني المقبل.
خلاصة اللقاء
وبصورة عامة، خرج عدد من الحاضرين بانطباع مفاده أن رئيس الجمهورية كان مطلعاً على الملفات المطروحة، حاضر الذهن في تفاصيلها، وواثقاً من ردوده، وهو ما أضفى على اللقاء طابعاً جاداً ومباشراً، وساهم في تقديم صورة إيجابية عن مستوى الجاهزية الرسمية التفهم والتفاعل مع أسئلة المعارضة ومخاوفها. كما أن امتداد اللقاء لنحو تسع ساعات متواصلة عُدَّ في حد ذاته مؤشراً على الأهمية التي يوليها الرئيس للاستماع إلى الرأي الآخر، مهما بلغت درجة تشككه أو انتقاده، وعلى قدر من سعة الصدر والتؤدة والصبر قلّما يتوفر في مثل هذه اللقاءات السياسية المطولة ومع معارضة لا تملك القدرة على التعطيل .
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار




