على هامش ندوة اللسان العربي
اللغة العربية ، هي المظلة الحامية لتنوعنا، والضامنة لعدم ارتهان أي مكون وطني لثقافة المستعمر الخارجي…
استدعاني أخي الفاضل الاستاذ الخليل ولد النحوي، الذي ندين له جميعًا بالكثير من الفضل لما يبذله من جهود متواصلة في حراسة لغتنا العربية، والسعي إلى إعادتها لغةً وظيفيةً حيةً في حياتنا اليومية، تعبيرًا عن وجودنا الحضاري وقيمتنا بين الشعوب والأمم. وقد دعاني للمشاركة في ندوة تناولت تمكين اللغة العربية في الصفحات الاجتماعيّة..تجارب وآفاق.
كان الموضوع شيقًا ومثيرًا للاهتمام، رغم أنني لا أزعم الإحاطة بكل جوانبه. غير أن أكبر مفاجأة سمعتها خلال الندوة كانت أن اللغة العربية أصبحت اللغة الثانية على تطبيق “تيك توك” بعد اللغة الإنجليزية، وهو مؤشر بالغ الدلالة على الحضور المتنامي للعربية في الفضاء الرقمي العالمي، ويثبت أن الأجيال الجديدة تصنع وعاءها المعرفي والترفيهي بلغتها متى ما توفرت لها البيئة التفاعلية الحرة، مما يسقط فرس الرهان على أن العربية لغة ماضوية لا تواكب الحداثة الرقمية.
كان من المفترض أن أتدخل أسوة ببقية المدعوين، لكن ارتباطًا مسبقًا حال دون ذلك، إضافة إلى أن الوقت المخصص لكل مداخلة لم يتجاوز ثلاث دقائق، وهو وقت لا يسمح بمعالجة قضية بهذا الحجم. لذلك رأيت أن أتدارك المشاركة في هذا النقاش المهم عبر هذه السطور.
إن الموقف من اللغة في بلدنا ظل، للأسف، موقفًا عاطفيًا وشخصيًا أكثر منه موقفًا وطنيًا واستراتيجيًا؛ فكأن اللغة شخص نحبه أو نكرهه، لا وعاءً للهوية والثقافة ووسيلةً لبناء الدولة والمجتمع. والغريب أن هذا التصور لم يكن سائدًا خلال الحقبة الاستعمارية بقدر ما برز في السنوات التي أعقبت الاستقلال مباشرة.
لقد ورثت الدولة الوطنية واقعًا كانت فيه الفرنسية لغة الإدارة والتعليم والتواصل الرسمي ونقل المعرفة والخبرة، بل وحتى لغة الترقي الاجتماعي في نظر كثيرين. وكانت أغلب المصطلحات والأدوات المرتبطة بالحياة الحديثة تُتداول بها، مما جعلها في نظر فئات واسعة معيارًا للانتماء إلى الحداثة والتحضر. وفي المقابل، وجدت الدولة نفسها تتعامل مع العربية، وهي لغة الأغلبية الساحقة من المجتمع وحاملة تراثه الثقافي والحضاري، وكأنها لغة تحتاج إلى إثبات وجودها داخل وطنها. ومن هنا أصبحت قضية اللغة محورًا رئيسيًا في النقاشات السياسية والفكرية المرتبطة بالهوية الوطنية والوحدة الاجتماعية.
لقد ساهمت الدولة، عن قصد أو عن ضعف، في طمس جانب كبير من التراث الثقافي والعلمي الذي راكمه المجتمع الموريتاني عبر ألف سنة . فقد تبنت مشروعًا جعل من اللغة الأجنبية لغة التعليم والإدارة والثقافة، بينما ظلت العربية تكافح من أجل استعادة مكانتها الطبيعية. وكانت النتيجة إقصاءً تدريجيًا للعربية من مجالات حيوية عديدة، حتى أصبح البعض يحمّل وجود “أهل العربية” في قطاعات العدالة والإدارة مسؤولية ما تعانيه تلك القطاعات من اختلالات، في تجاهل واضح للأسباب الحقيقية المرتبطة بالتسيير والحوكمة والكفاءة؛ علماً بأن تجارب الأمم تؤكد أن الإدارة لا تستقيم إلا إذا تخاطبت مع المواطن بلغته، وأن عجز الإدارة لدينا يعود أساساً إلى الانفصام اللغوي بين المسؤول والمراجع وكذلك القضاء وغيرها من القطاعات .
إن الدولة الموريتانية لم تتبنَّ، بالقدر الكافي، مشروعًا ثقافيًا وطنيًا جامعًا كما فعلت أمم كثيرة بعد استقلالها. فتركيا نهضت بلغتها، والصين نهضت بلغتها، وإيران نهضت بلغتها، كما قامت مشاريع النهضة الحديثة في مصر وسوريا والعراق وتونس وغيرها على ترسيخ لغاتها الوطنية وتطويرها لتواكب العصر. أما في موريتانيا، فقد ظل المشروع الوطني مترددًا في منح اللغة والثقافة الوطنيتين المكانة التي تستحقانها.
ولا يمكن تجاوز هذا الإشكال إلا بإعادة بناء المشروع الوطني على أساس ثقافي متين، يجعل العربية لغة المعرفة والإدارة والتعليم والحياة العامة، ويعمل على تعريب المصطلحات والعلوم ووسائل التعامل اليومي، بما يضمن لها الفاعلية والقدرة على مواكبة متطلبات العصر.
إن العالم اليوم يشهد تزايدًا ملحوظًا في الاهتمام باللغة العربية، سواء لأهميتها الحضارية أو الاقتصادية أو الثقافية. كما أن حضورها في الفضاء الرقمي والإعلامي يتوسع بصورة مستمرة. ولا تعاني العربية نقصًا في المفردات أو المصطلحات أو القدرة على استيعاب العلوم والمعارف الحديثة، وإنما يظل التحدي الحقيقي مرتبطًا بالإرادة السياسية والاستثمار المؤسسي في تطويرها وتمكينها.
إن الهوية الثقافية لموريتانيا هي الإطار الأقدر على صهر مختلف مكونات المجتمع في فضاء فكري وثقافي وتواصلي مشترك، بما يعزز الاندماج الاجتماعي والانسجام الوطني. وهنا يجب التأكيد على أن تمكين اللغة العربية في موريتانيا لا يعني بحال من الأحوال تهميش اللغات الوطنية الأخرى للمكونات الإفريقية في بلدنا (الپولارية، السونينكية، والولوفية)، بل إن العربية، بوصفها لغة الدين المشترك والتاريخ التكاملي، هي المظلة الحامية لهذا التنوع، والضامنة لعدم ارتهان أي مكون وطني لثقافة المستعمر الخارجي. فاللغة المشتركة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي جسر للوجدان المشترك، ووسيلة لفهم الآخر، ووعاء للقيم والتصورات والرؤى. ومن خلالها يستطيع المواطن أن ينفذ إلى أعماق وجدان أخيه المواطن، وأن يقرأ أفكاره ويستوعب مشاعره دون حواجز أو وسائط.
ومن غير المعقول أن يظل أبناء الوطن الواحد محتاجين إلى الترجمة فيما بينهم عبر لغة أجنبية دخيلة على الجميع، بينما يمتلكون لغة قادرة على جمعهم وتوحيدهم وكانت كذلك عبر مسارهم التاريخيّ.
إن الدولة الموريتانية مطالبة اليوم بإعادة بناء مشروعها الوطني على أسس أكثر رسوخًا وانسجامًا مع واقع المجتمع وتاريخه. فبدل تكريس الازدواجية الثقافية واللغوية، ينبغي أن تتجه الجهود نحو دعم لغة المجتمع وثقافته الممتدتين عبر قرون طويلة، وتطوير أدائهما وفعاليتهما ووظيفيتهما في مختلف المجالات، صونًا للوحدة الوطنية وتعزيزًا للسيادة الثقافية.
فالصراع في عالم اليوم ليس صراعًا اقتصاديًا أو سياسيًا فحسب، بل هو أيضًا صراع ثقافة وقيم ونماذج حضارية. وكل أمة تحافظ على لغتها وتطورها إنما تحافظ على ذاكرتها الجماعية، وعلى استقلال قرارها الثقافي، وعلى قدرتها على صياغة مستقبلها انطلاقًا من تاريخها وعمقها الاستراتيجي.
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار




