أخطر ما قد يواجه الرئيس غزواني هو "النيران الصديقة "
لعل أسوأ ما قد يواجه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في هذه المرحلة الدقيقة هو "النيران الصديقة " أو الترويج، من داخل نظامه نفسه، لشخصيات غير جامعة، لا تمتلك المقومات السياسية الكافية لتشكيل نقطة التقاء وطني حقيقية. فمثل هذا التوجه لا يقطع الطريق فحسب أمام أي خطة آمنة للخروج من السلطة، بل يدفع قطاعات واسعة من الرأي العام والقوى السياسية إلى الاصطفاف خلف أي بديل يظهر في المشهد، نكاية . والتاريخ السياسي يعلّمنا أن الفراغات لا تبقى خالية طويلا، وأننا إذا لم نملأها بالعقل ملأها الآخرون بما لا يُحمد عقباه.
لقد اتسمت فترة الرئيس غزواني بالهدوء والاحترام واللياقة في إدارة الشأن العام والتواصل مع الآخرين ، وهي سمات نادرة في سياق إقليمي مضطرب. ولذلك فإن الجميع ينتظر الانتقال منها إلى مرحلة أكثر رحابة، وأوسع مشاركة، وأكثر انفتاحاً على مختلف القوى الوطنية، لا إلى التشنج وضيق الأفق، لا سيما أولئك الذين دعموا الرئيس وساندوا مشروعه السياسي طوال سنوات. فالأغلبية السياسية التي يعوَّل عليها في أي انتقال للسلطة أو تحول في الحكم تملك في وضعها الحالي مواقف متباينة ومشاعر مختلطة تجاه موقعها الحقيقي داخل هذا النظام؛ ذلك أن النفوذ والفاعلية السياسية والإدارية بقو، إلى حد بعيد، محصورين في دائرة ضيقة مرتبطة بشخص الرئيس، الأمر الذي جعل كثيراً من الداعمين يساندونه لاعتبارات تتصل بخصاله الشخصية أكثر مما تتصل ببنية سياسية قابلة للاستمرار من بعده. وهذه ميزة لا يمكن نقلها ولا توريثها لآخرين ، كما أن الكاريزما لا تُكتسب بالتعيين.
وعكسا لأي تصور يأخذ هذا الوضع بالحسبان ، يجري الترويج لأسماء لا تملك في الغالب سوى رصيد محدود من المزايا السياسية والشعبية الفعلية، فيما يقوم التعويل الأساسي على قربها الشخصي من الرئيس. وهذا الرهان لا يبعث على الاطمئنان، لا لدى الطبقة السياسية ولا لدى الرأي العام، لأنه لا يقدم صورة مقنعة عن التغيير ولا عن البناء ولا عن تصحيح الشراكة الوطنية غير الكافية أصلا . بل الأخطر من ذلك أنه لا يمثل البضاعة السياسية القادرة على الصمود أمام التحديات الأمنية والاقتصادية الراهنة، ولا صالحة للتسويق أمام النزال السياسي المحتدم أغلب الظن في بلد يترقب مستقبله بقدر كبير من القلق والترقب.
إن حالة السكينة التي يعيشها البلد اليوم مرتبطة، في جوهرها، بالطابع الشخصي للرئيس غزواني وما يتمتع به من هدوء واتزان وثقة تُلهمها. أما ما عدا ذلك، فتظهر في المشهد مظاهر عديدة من الضجيج وعدم اليقين وتراجع الرضا العام، سواء بسبب ضعف تثمين الإنجازات وإيصالها، أو بسبب غياب الانسجام بين الحكومة ومكونات النظام ونخبه حول رؤية واضحة وأهداف محددة وخطاب جامع يُحرّك الهمم ويبني الثقة.
وفي هذا السياق المأزوم، تدور الساحة الإعلامية الصديقة حول محورين يتنافسان على استنزاف الوقت السياسي: محور معارض يسعى إلى التسفيه والتشكيك في الأداء الحكومي، مستهدفا شخص الوزير الأول لا جودة عمله مقابل فريق يدعمه يمسك بقوة زمام المبادرة للرد ، ومحور آخر منشغل بالترويج المبكر لشخصيات من داخل النظام باعتبارها مرشحين محتملين لخلافة الرئيس. والحقيقة أن هذا الجدل المزدوج يصرف اهتمام الرأي العام عن النتائج المهمة التي تحققت والتوجهات الإيجابية التي يجري العمل عليها، ويجعل المستقبل يبتلع الحاضر، وكأن الرئيس أصبح خارج اللعبة بينما لا يزال يمسك بكل خيوطها الأساسية. وهو أمر لا ينعكس سلباً على صورته وحدها، بل يضرب مشروعه السياسي بأكمله في الصميم.
كما أن ثمة معطيات سياسية كبرى لا تحظى بما تستحقه من اهتمام في هذا الجدل الدائر، وهي معطيات تغير قواعد اللعبة تغييراً جذرياً:
أولها: التراجع النسبي الحقيقي لجاذبية السلطة التقليدية بوصفها مصدراً وحيداً للنفوذ والامتياز، في ظل تحول عميق في نظرة الأجيال الجديدة إلى السياسة وإلى الدولة، وهو تحول لا تجدي معه الأدوات القديمة وما يرافقها من عدم رسم سياسية واضحة المعالم للمستقبل السياسي للنظام .
وثانيها: أن الشباب، المتأثرين بقيم الحرية والانفتاح وسرعة التغيير، باتوا يشكلون ما يقارب ثلاثة أرباع المجتمع، وهو ما يجعل التحكم المسبق في المخرجات الانتخابية أمرا بالغ الصعوبة، حتى بالنسبة لشخصيات ذات حضور قوي وتوافق واسع. فكيف بشخصيات لم تختبرها الساحة السياسية بعد، وهناك تقييم سلبي لها في عديد الأوساط السياسية ولا يعرفها الرأي العام إلا من خلال قربها من الرئيس؟
وثالثها: وهو ربما الأكثر حسماً على المدى المنظور، تنامي استعداد أصحاب المال والأعمال للدخول المباشر إلى المجال السياسي عبر دعم مرشحين من خارج إرادة السلطة التقليدية. وهذا المعطى وحده كفيل بقلب كل الحسابات المبنية على الولاء الشخصي والعلاقات المغلقة.
من هنا، يصبح هذا الترويج المبكر أحد أبرز عوامل التشويش التي تواجه الرئيس في وقت بالغ الحساسية، وهو يحاول جمع خيوط الحوار الوطني ورسم ملامح مرحلة ما بعد 2029. فهذا الترويج يخلق انطباعاً بأن الرئيس لا يملك خيارات سياسية متعددة داخل محيطه، ويكشف أوراقه قبل أوانها، ويضعه في موقف من يحصر رهانه في خيارات ضيقة لن تصمد أمام اختبار الواقع.
وهنا تحضرني قصة بليغة الدلالة:
يُحكى أن عالماً جليلاً — قيل إنه باب ولد الشيخ سيديَّ — ذكر ثلاثة من العقلاء انتهت حياتهم على نحو لا ينسجم مع ما عُرفوا به من رجاحة عقل، ومن بينهم ديدّي"ديلول"، الذي يُضرب به المثل في الحكمة عندنا. فقد سقطت له ناقة في بئر، فنزل إلى قعرها ليربطها بالحبال، ولكنه بقي في الأسفل ليُحكم تثبيت الرباط ويضمن سلامتها، وعندما رفعها الناس انقطعت الحبال وسقطت عليه، فكانت تلك نهايته بسبب حرصه الزائد على أمر ظن أنه يحسن تدبيره وحده.
فهل يُعقل أن ينزل الرئيس غزواني إلى قاع الحسابات السياسية الضيقة، من أجل الدفع بمرشح لا تتوافر له شروط النجاح الكافية، فتكون النتيجة خسارة الحلفاء، وتفكك التوازنات التي بُنيت بصبر وحكمة خلال سنوات، وانفتاح الباب على مرحلة من عدم اليقين لا يُعلم أين تنتهي؟ إن العاقل لا ينزل إلى القاع إلا إذا كان واثقاً من الحبال، ومن يمسك بها.
إن البلد كله يكاد يحبس أنفاسه انتظاراً لنجاح الحوار الوطني بالشكل الذي يتصوره الرئيس غزواني، وبما يسمح بحسم القضايا الكبرى ورسم الخطوط العريضة للتحول والتطوير والتحديث. وعندها، وعندها فقط، يصبح الانتقال في السلطة ثمرة ناضجة للتوافق الوطني والعقل السياسي الجماعي، لا نتيجة لرهانات ضيقة أو حسابات شخصية مغلقة.
ذلك هو المسار الذي يخدم الرئيس غزواني ويخدم الوطن في آنٍ واحد؛ مسار يؤسس لتحول آمن، ويعزز الاستقرار، ويوسع دائرة المشاركة، ويضمن انتقالاً سياسياً عقلانياً يرسّخ صلابة الدولة ويمنحها القدرة على المضي قُدُماً في مرحلة جديدة — مرحلة تستحقها موريتانيا، ويستحق هذا الرجل أن تختم بها تاريخه .
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار.




