الخميس
2026/04/23
آخر تحديث
الخميس 23 أبريل 2026

لماذا يدفع الموريتانيون ضريبة فشل الصناعة المحلية؟.. ولماذا يتم نفخ جيوب المحتكرين من قوت الشعب!!؟؟

منذ 34 ثانية
لماذا يدفع الموريتانيون ضريبة فشل الصناعة المحلية؟.. (…)
طباعة

تتبنى موريتانيا ما يُعرف باقتصاد السوق القائم على العرض والطلب، وهو خيار نظري يقوم على حرية المبادرة وتحرير المبادلات. غير أن التطبيق الفعلي يكشف عن ازدواجية مربكة: سوق يُرفع فيه شعار الحرية، لكنه مُقيد عمليًا بإجراءات حمائية تُغلقه أمام المنافسة الحقيقية.إنها في الحقيقة سوق حرّة في التنظير.. مغلقة في التطبيق.

فقلد نظّمت الدولة احتكار سلع معينة تحت عنوان “حماية الصناعة المحلية”، وفرضت قيودًا وضريبة مرتفعة على استيرادها. لكن النتيجة لم تكن حمايةً للمستهلك ولا تطويرًا للصناعة، بل منحت بعض الفاعلين المحليين سلطة شبه مطلقة في التسعير، مستندين إلى غطاء قانوني يرفع شعار الحماية بينما يكرّس واقع الاحتكار. وبمنعها أحد أعمدة السوق الحر الذي هو "المنافسة" جعلت المستهلك المغيب هو "الممول الحقيقي" لهذه المصانع بدفعه أداء "ضريبة غير معلنة" في فارق السعر تذهب أرباحاً صافية لجيوب رجال الأعمال بدل الخزينة العامة.»

وهنا يبرز التناقض الصارخ: كيف تقبل الدولة أن تخسر مرتين؟ تخسر مداخيل جمركية محتملة من الاستيراد، وتخسر في الوقت نفسه عبر إعفاءات وامتيازات تمنحها للصناعة المحلية، وتتحمل بعد ذلك نقمة الشعب وكل ذلك في نهاية المطاف يصب في مصلحة دائرة ضيقة من التجار؟

والأكثر إثارة للاستغراب أن هذه “الصناعة المحلية”، رغم استفادتها من يد عاملة منخفضة التكلفة ومن إعفاءات جمركية متعددة، تعجز عن منافسة منتوج مستورد يتحمل تكاليف النقل والرسوم والجمركة. فكيف لسلعة تُنتج محليًا، بظروف أقل كلفة، أن تكون أغلى وأحيانًا أقل جودة من نظيرتها القادمة من الخارج؟ أليس هذا مؤشرًا على خلل بنيوي في بيئة الإنتاج، أو على غياب حقيقي للمنافسة؟ وهذا يمنعنا من تسمية هذا النظام اقتصاد سوق، بل هو "رأسمالية المحاسيب" التي تحول السوق إلى ساحة مصالح مغلقة حيث لاتقوم المنافسة على الابتكار والكفاءة أو الأفضل بل على العلاقات والنفوذ ويتم تخصيص الأرباح وتأميم الخسائر عبر تحميلها للمواطن.

ثم إن تبرير هذه السياسة بحجة التشغيل يبدو واهيًا. لا يمكن لدولة أن تُحمّل شعبًا بأكمله كلفة الغلاء وضعف الجودة من أجل حماية مصانع محدودة، غالبًا ما تكون ذات طابع تجميعي أو تغليفي وتعود ملكيتها لأفراد أو مجموعات بعينها تدور في فلك النظام . فالتشغيل لا ينبغي أن يكون ذريعة لإدامة اقتصاد مغلق وغير فعّال ومكلّف .

وظيفة الدولة في اقتصاد السوق ليست خلق الامتيازات، بل ضمان شروط المنافسة العادلة. وقد تجاوز تدخلها الحد المعقول حين جمعت بين الدعم والحماية، فاختلّ الميزان وانحرفت السوق عن منطقها الطبيعي.

إن فتح السوق أمام سلع مثل الإسمنت والبيض والمعكرونة والبسكويت وغيرها ليس تهديدًا، بل اختبار حقيقي لجدية الصناعة المحلية. إما أن ترتقي هذه الصناعة إلى مستوى المنافسة من حيث الجودة والسعر، أو تفسح المجال لبدائل توفر للمواطن سلعًا بأسعار عادلة.

وفي النهاية، تبقى حماية المواطن، خاصة في قوته اليومي، أولوية سيادية لا تقبل المساومة. ومع تدني الرواتب وضعف القدرة الشرائية، لا يجوز أن تتحول الدولة إلى طرف يثقل كاهل مواطنيه، انحيازًا إلى فئة تستفيد من الاحتكار والتربح. فالمطلوب ليس شعارات حماية بالأساس ، بل سياسات توازن بين دعم الإنتاج وضمان العدالة في السوق، حيث لا يكون المواطن هو الحلقة الأضعف دائمًا.

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار