السبت
2026/04/18
آخر تحديث
السبت 18 أبريل 2026

زيارة غزواني لفرنسا: هل نجح في تبديد المخاوف؟

منذ 2 ساعة
زيارة غزواني لفرنسا: هل نجح في تبديد المخاوف؟
طباعة

يُتمّ الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يومه الخامس في زيارة دولة إلى فرنسا، وهي زيارة تتربع على قمة الهرم البروتوكولي، وتُعد الثانية من نوعها لرئيس موريتاني، والثانية لرئيس أفريقي خلال هذا العقد من مستعمرات فرنسا السابقة (ماكي صال 2016).

تأتي هذه الزيارة في توقيت بالغ الحساسية، حيث ينشغل العالم بمضيق هرمز وإعادة صياغة التحالفات الاستراتيجية الدولية، مما يجعلها حدثًا استثنائيًا بارزًا يعكس أهمية موريتانيا بالنسبة لفرنسا، وكذلك بالنسبة لموقعها العالمي الجديد في مجالي الطاقة والأمن.

واللافت أن الصحافة الفرنسية، المعروفة بحدتها وتمسكها الصارم باستقلاليتها، تناولت الزيارة بلغة تقدير لافتة، حيث حظي غزواني باحترام واسع من الرئاسة والدولة الفرنسية على حد سواء، وهو ما يعكس انسجامًا في الدوائر الرسمية والإعلامية الفرنسية حول تقييم شخصية الرجل.

الاحتفاء الفرنسي: لماذا الآن؟

تعكس المؤشرات الصادرة عن قصر الإليزيه أن فرنسا خصصت لهذه الزيارة مستوى لوجستيًا يُصنف ضمن الفئة (A+)العالية المخصصة للحلفاء الاستراتيجيين. ويرى محللون أن هذا الاهتمام الشخصي من الرئيس ماكرون يعود إلى عاملين رئيسيين:
1. المصداقية السياسية: نجاح الغزواني في تجديد مأموريته واستقرار مؤسسات الدولة والحفاظ على علاقات متميزة مع جيرانه قابلة للاستقلال الديبلوماسي ويمكنها دعم التوجه الفرنسي الجديد في العلاقة بمستعمراتها القديمة .
2. البحث عن بديل استراتيجي: حاجة فرنسا إلى نموذج أفريقي ناجح يثبت أن التعاون مع القارة لا يزال ممكنًا ومنتجًا بعيدًا عن الانقلابات والتوترات.

 توازن القوة والسيادة

رغم أن الغزواني لا يسمح بوجود قواعد عسكرية فرنسية في بلاده، ولا يضع ذلك ضمن حساباته، فإن العلاقة مع باريس عكست احترامًا متبادلًا لافتًا. ويكمن السر في قدرته على فرض أسلوبه الشخصي عبر دبلوماسية هادئة ومتزنة؛ فقد أظهر الرئيس إيمانويل ماكرون تقديرًا واضحًا تجلى في مستوى الاستقبال : لغة الجسد ومفردات الخطاب وتفاصيل البرنامج الرسمي وهو انكباب فرنسي لافة على موريتانيا وعلى الرئيس غزواني .

وقد أثبتت هذه الزيارة أن إدارة موريتانيا لعلاقاتها مع فرنسا — وسط أمواج التوترات الإقليمية والاصطفافات الدولية المتشابكة — كانت إدارة ناضجة تعكس تقدير الذات والندية. فقد نجحت نواكشوط في الحفاظ على علاقة متميزة دون المساس بسيادتها الوطنية أو الإضرار بعلاقاتها مع محيطها، متجاوزة بذلك ما يُعرف بـ”عقدة التبعية”.

وقد تجلى ذلك في المقاربة الأمنية التي عرضها غزواني خلال المؤتمر الصحفي، حيث أكد أن:
“استقرار المنطقة لا يُستورد من الخارج، بل يُبنى من الداخل عبر الموازنة بين المقاربة العسكرية والتنمية المستدامة… نحن نحترم شركاءنا، لكننا نقرر ما يصلح لأمننا القومي.”

وهي رسالة تعكس بوضوح تمسكه بالاستقلالية في القرار الأمني.

كما برزت موريتانيا، عمليًا، في ظل الانهيارات المتتالية للمنظومات الأمنية في منطقة الساحل، كعنصر استقرار مهم . وقد ظهر غزواني أمام الإعلام الفرنسي كشخصية وطنية مستقلة بنبرة ثقة عالية ؛ يثمّن الشراكة مع فرنسا، لكنه يضعها ضمن إطار المصالح الوطنية، بما يضمن حق الاختلاف واستقلال القرار.

 البعد الاقتصادي للزيارة : شراكة تتجاوز الأيديولوجيا

لم تكن الزيارة مجرد استعراض بروتوكولي، بل تُرجمت إلى أرقام تعكس ثقة المستثمر الفرنسي في الاستقرار الموريتاني. فقد تم التوقيع على مذكرات تفاهم في مجال الطاقة الخضراء، خاصة مشروع الهيدروجين الأخضر، باستثمارات أولية تُقدّر بنحو 2 مليار يورو، ما يضع موريتانيا كشريك طاقوي مستقبلي لأوروبا.

وفي الوقت ذاته، يمنح هذا التوجه موريتانيا هامشًا أكبر للمراجعة والتفاوض قبل الالتزام النهائي، وهو ما يعكس حرصًا على السيادة في إدارة الموارد (ويبدد المخاوف التي رفعناها قبل الزيارة يشأن الاتفاقات المحتملة تحت تأثير الزيارة ).

كما تم دعم التنمية عبر رفع سقف تمويلات الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) لتتجاوز محفظة مشاريعها في موريتانيا 300 مليون يورو، تغطي قطاعات التعليم والصحة والمياه، وهو ما يمثل دعمًا استراتيجيًا مهمًا لموريتانيا بالنسبة لهذه القطاعات التي تحتاج لدعم .

 تحول في الاستراتيجية الفرنسية ودرس في الدبلوماسية

وضعت هذه الزيارة النقاط على الحروف بشأن طبيعة العلاقة بين البلدين كعلاقة قائمة على الندية. ويبدو أن ماكرون أراد من خلال هذا الاستقبال الحار تدشين صفحة جديدة في علاقة فرنسا بأفريقيا، انطلاقًا من النموذج الموريتاني، في محاولة للتخلص من إرث التعالي الاستعماري.

ففرنسا اليوم تبحث عن شراكات في سوق دولي مفتوح وشديد التنافس، بعد أن أدركت أن منطق الهيمنة لم يعد صالحًا.

لقد كانت زيارة ناجحة في مجملها، كرّست مكانة موريتانيا كدولة تمتلك مقاربة دبلوماسية واضحة، لا تخلط بين المصالح والسيادة. وهي بذلك تمثل درسًا في إدارة العلاقات الدولية، وتؤشر إلى تحول في النظرة الفرنسية نحو القارة الأفريقية، مع تأكيد موريتانيا على استقلال قرارها وسيادتها في تحديد حلفائها وفقًا لمصالحها الوطنية.

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار