السبت
2024/07/20
آخر تحديث
الجمعة 19 يوليو 2024

الولايات المتحدة الأمريكية .. الشبح المخيف وخرافة القيم الزائفة‎

1 يونيو 2024 الساعة 12 و31 دقيقة
الولايات المتحدة الأمريكية .. الشبح المخيف وخرافة القيم (…)
محمد حسنة الطالب
طباعة

بعد سقوط الإتحاد السوفيتي الذي كان يفرض توازنا ملحوظا وشيئا من العدالة والأمن والإستقرار في العالم قبل العام 1991 ، خلت الساحة منذ ذلك التاريخ للولايات المتحدة الأمريكية وبرزت كقطب وحيد تتحكم في السياسة الدولية بما تمتلكه من قوة عسكرية وتمكن اقتصادي وتأثير واضح على مراكز القرار في معظم أنحاء العالم ، الشئ الذي أهلها لأن تكون هي الآمر الناهي المسيطر على كل شاردة وواردة بتجاوزها لكل الأعراف والقوانين وللدور الذي أنشئت من أجله هيئة الأمم المتحدة بكل هياكلها وفروعها ، إلى درجة أصبح فيها الدوس على مواثيق وقرارات ومساعي هذه المنظمة الدولية أمرا عاديا تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية متى أرادت ، أين وكيف ما شاءت ، من خلال تطويعها للواقع الدولي وجعله يئن تحت وطاة نفوذها الكاسح وعقوباتها التي لاحدود لها .

في هذا الخضم المتلاطم والذي تطغى فيه المصلحة الأمريكية على كل الإعتبارات القانونية ، السياسية والأخلاقية ، وجدت الولايات المتحدة الأمريكية من يخدمها ويجاريها في كل أجندات الظلم والطغيان ، وفي هذا الإطار إنصاعت دول أوروبا لإملاءاتها وأوامرها الرامية الى توسيع نفوذها في إطار ما يعرف ب "العالم الغربي" الذي بواسطته زادت هيمنة أمريكا على كل المنابع والمصالح الإستيراتجية في مختلف أنحاء العالم ، هذا في الوقت الذي تعد فيه إسرائيل هي البذرة اليانعة لأمريكا والمركز الذي تدار منه سياساتها وأهدافها في الشرق الأوسط ، مع العلم أن أمريكا بها لوبي إسرائيلي فعال يمنعها من أن تقبل أي مساومة على أمن إسرائيل وإستقرارها نظرا لما تقدمه لها من خدمات جيوإستيراتجية ، بل أن الولايات المتحدة الأمريكية تقف بكل وضوح سدا منيعا أمام أي تهديد لوجود إسرائيل ، وخير دليل على ذلك تزويدها بالسلاح المتطور وبالمعلومات الإستخباراتية وبكل ماوصلت إليه التكنولوجيا في المجال العسكري ، الشئ الذي جعل دويلات الخليج وبعض الدول العربية الأخرى العميلة والمطبعة مثل مصر والأردن والبحرين والسودان والمغرب تسبح بحمدها بكرة وأصيلا ، وتخشع لها وتبتغي رضاها ومسايرتها في كل شئ ، حتى وإن كان ذلك على حساب الدم العربي الذي سفك ظلما وعدوانا في فلسطين والعراق وليبيا وسوريا وغيرها ، والأكثر من ذلك لا ترى دويلات الخليج هذه وشقيقاتها في الخيانة ، إلا ما تراه أمريكا بخصوص طغيان إسرائيل وتمردها على الحق والحقيقة في فلسطين المحتلة ، ومن عدم إدانة لجرائمها الإنسانية التي يندى لها الجبين ضد المدنيين الفلسطينيين العزل وخاصة ما يجري اليوم في قطاع غزة ، والأكثر من ذلك تأييد دول الخيانة هذه لإسرائيل بصورة غير مباشرة بشأن إستمرار الحرب وعدم التقدم في المفاوضات وفي مجافاة أحكام محكمة العدل الدولية الصادرة بشأن بعض قادة إسرائيل وعلى رأسهم المجرم الكبير نتنياهو ، ولعل مخرجات إجتماع الجامعة العربية الأخير الذي غاب عنه بعض الرؤساء العرب الرافضين للتطبيع يشي بشئ من ذلك القبيل ، لما يشتم منه من رائحة الغدر والخيانة لما تحققه لمقاومة على أرض الواقع من إنتصارات عسكرية ، ولما تبديه من خبرة ورزانة في تسيير المفاوضات واستغلال أمثل لملف الأسرى الإسرائيليين .

بهذه المعطيات وبهذا الواقع الدولي بل والعالمي المرير ، تكون الولايات المتحدة الأمريكية قد عادت بالعالم الى قانون الغاب الذي لا مكان فيه إلا للأقوى ، وهكذا تم التسليم لها بالقوة ونزلت كالطير على الأنظمة المتخاذلة وعلى رؤوس قادتها الجبناء الذين حيث ما مالت أمريكا يميلون خدمة لها وحفاظا على حياتهم وعلى كراسيهم المتهالكة وعروشهم الذابلة .

وبما أن الحق باق ولو دارت عليه الأيام ، وأنه لا يحتاج سوى إلى الإيمان به والجرأة على إستعادته ، فإننا نشهد منذ مدة بوادر عديدة ، بل وتطورات ميدانية كثيرة تشي بنفض الغبار الذي أحدثه تسلط أمريكا السافر ودعايتها الزائفة ، وبذلك بدأ التمرد على سياساتها الظالمة وطغيانها وحلفائها الذي دام عقودا طويلة من الزمن على المشهد العالمي ، وتخللته الحروب الظالمة لتوسيع النفوذ وتأمين المصالح من خلال القضاء على الأنظمة المناؤة لها وإستهداف الدول الغنية والنامية من العالم الثالث وتحويلها الى دول فاشلة لإزالة خطرها واستغلال ثرواتها تحت شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان ودرء الظلم وإستتباب العدالة ، وما حدث في فنزويلا وفي بعض دول أمريكا اللاتنية من إستهداف على مستوى السلطة ، بالإضافة الى ما سمي بعدها ب "الربيع العربي" إلا خير دليل على خبث الولايات المتحدة الأمريكية وتغولها غير المشروع هي ومن يجري في فلكها .

لكن ورغم كل هذه المؤامرات والتحالفات العدائية الخبيثة ، سواء كانت ضد العرب أو ضد غيرهم ممن تعتبره الولايات المتحدة حجر عثرة في طريقها المستبد ، هناك حقائق تتبلور يوما بعد يوم ، لعل أولها نهوض المارد الروسي في وجه حلف شمال الأطلسي "النيتو" وتصديه بقوة لكل المحاولات المتكررة التي تستهدف أمنه الإقليمي والرامية الى التضييق عليه وشل فعاليته العسكرية ، السياسة والاقتصادية ودوره المحوري في العالم ، بالإضافة الى الحيلولة دون أي تقارب قد يجمع روسيا القيصرية بالعملاق الصيني وغيره من القوى النامية والصاعدة في العالم ، التي يمكن أن تشكل حلفا جديدا بكل المواصفات التي تمكن من تهديد أمريكا وتمريغ قوتها وسمعتها الواهية بالتراب .

لقد أعدت روسيا عدتها لهذه المرحلة ولكل السيناريوهات المحتملة منذ تفكك الإتحاد السوفيتي في 26 ديسمبر 1991، حيث حرص جهاز مخابراتها على رسم سياسات وتوجهات على المدى البعيد من شأنها إعادة هيبة الدولة الروسية وعظمتها في العالم ، وهو الشئ الذي بدأت تجلياته تظهر مع توسع حلف شمال الأطلسي نحو روسيا وكيده المكائد لها إنطلاقا من أكرانيا الواقعة على حدودها الغربية ، حيث كان ذلك سببا كافيا لتدخل روسيا وإعلانها الحرب في 24 فبراير 2022 على أوكرانيا بإعتبار تواجد حلف "الناتو" في هذا البلد يشكل تهديدا صارخا لأمنها القومي ولمصالحها الإستيراتجية في المنطقة . حيث أزاح بوتين الستار عن قوته النووية وقدراته العسكرية وهدد الغرب بإستعمالها دون تردد إن هو تدخل في الحرب الى جانب أوكرانيا ، وحدث هذا في الوقت الذي قد أخذ فيه بوتين كل الاحتياطات السياسية والاقتصادية من خلال إطلاع حلفاء روسيا وتهيئتهم لكل السيناريوهات المحتملة والتداعيات التي يمكن أن تنجم عنها ، وبالتالي أخلط حسابات الدول الغربية وكبح جماح الولايات المتحدة الأمريكية وأوقهعا بين المطرقة والسندان ، لا سيما بعد عملية طوفان الأقصى النوعية التي شنتها حماس في 7 أكتوبر 2023 على إسرائيل، أين تكشف الفشل الذريع للمخابرات الإسرائيلية والأمريكية معا في رصد التحضيرات التي كانت تجري على قدم وساق لهذه العملية النوعية ، وبالتالي فتحت هذه العملية جبهة جديدة في الصراع مع أمريكا وحلفائها وفضحت ما تبقى من سمعتها وعرت كذبة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر .

وبما أن العبرة دائما بالنتائج ، فللقارئ والمتتبع للأحداث أن يرى ما آلت إليه الأوضاع في أوكرانيا وفي إسرائيل ، فهزيمة الغرب في أوكرانيا تعبر عنها الخسائر العسكرية الفادحة والتداعيات الإقتصادية المؤثرة لا سيما في مجال الطاقة وبعض المعاملات والمبادلات التجارية مع روسيا المتعلقة خصوصا بالأمن الغذائي الذي أساسه الحبوب ، التي تعد هذه الأخيرة من أكبر الدول المنتجة والمصدرة له ، حدث هذا كله في الوقت الذي راهن فيه الغرب على جدوائية العقوبات التي كانت بمثابة السحر الذي إنقلب على الساحر ، وها هي أوكرانيا اليوم تستجدي الدعم الغربي من جديد بعد أن وقعت في الوحل الروسي وشهدت تراجع إهتمام الغرب بمأزقها خاصة مع نشوب الحرب في قطاع غزة الذي فتح العديد من الجبهات على إسرائيل وأصبح يهدد وجودها ، وكان ذلك خطر داهم جعل أمريكا تصب إهتمامها على الشرق الأوسط تاركة أكرانيا في مهب القوة الروسية الضاربة .

أما بخصوص إسرائيل، فالهزيمة الكبرى تجلت في عدم تحقيق أي من الأهداف التي أعلنت عنها ، والتي من بينها القضاء على حماس واستعادة الأسرى الإسرائيليين، وهو مالم يحدث طيلة ما يقارب الثمانية أشهر من المقاومة الشرسة لفصائل المقاومة ، التي كبدت الجيش الإسرائيلي خسائر معتبرة في الأرواح والمعدات ، وكشفت مدى كذب نتنياهو وعجز حكومته المتطرفة عن تنفيذ كل ما وعدت به الشعب الإسرائيلي ، ما أدى في نهاية المطاف الى خلافات كبيرة بين أعضاء هذه الحكومة وبينها وبين عائلات الأسرى التي تتهمها بالخذلان وأستطاعت أن تحرك الآلاف من الشارع الإسرائيلي إحتجاجا على أدائها السلبي المتمثل في جرائم القتل والدمار ضد الفلسطينيين دون فائدة تذكر ، وهو الشئ الذي ألب الرأي العام الدولي على إسرائيل وحرك الشارع في العديد من دول العالم تأييدا للشعب الفلسطيني وإدانة للمجازر الإسرائيلية المرتكبة في حقه .
من علامات النصر الذي تحققه المقاومة أيضا ، هو رفعها لسقف التفاوض وثباتها على الشروط التي حددتها لذلك منذ الوهلة الأولى ، والتي من خلالها جعلت حكومة نتنياهو تتلكأ في كل المراحل التي مرت بها المفاوضات دون أن تنتزع أي تنازل من المقاومة ، هذا فضلا عن المساعي الهادفة إلى فرض حل الدولتين ، والذي على أساسه إعترفت العديد من دول العالم بالدولة الفلسطينية من بينها دول أوروبية .

خلاصة القول هي أن كل المعطيات والمتغيرات الجارية على الساحة الدولية ، تقول أن الهيمنة الأمريكية ستتقلص وأن دورها أصبح محكوما بالعديد من التوجهات والمواقف غير المعهودة سابقا والمبنية على أساس تفعيل القانون وفرض الشرعية الدولية وإستتباب العدالة في العالم ، وكل هذه المعالم سيفرضها دون شك هذا القطب الجديد الذي بدأ يتشكل بزعامة كل من روسيا والصين عسكريا وإقتصاديا ، والذي ستلتف حوله بدون شك كل الدول المناوئ للسياسة الأمريكية الرعناء ، والمحبة لإقامة العدل وإستتباب السلام في العالم ، وهذا ما يجعلنا نتفاءل بحل العديد من القضايا الشائكة مستقبلا وعلى رأسها القضية الفلسطينية والقضية الصحراوية اللتين عمرتا طويلا بفعل إزدواجية المعايير ولغة المصالح وقانون الغاب الذي طبقته أمريكا وأتى على الأخضر واليابس في واقع غابت فيه كل القيم الأخلاقية والمبادئ السامية ، وسلبت فيه حاجة الشعوب الى الأمن والإستقرار ، وإرادتها الملحة في الرقي والازدهار .

بقلم : محمد حسنة الطالب