عندما يصبح النفوذ أقوى من القانون
بعد يومين فقط من المؤتمر الصحفي لفخامة رئيس الجمهورية، الذي شدد فيه على ترسيخ دولة القانون، ومحاربة الفساد، ورفض التدخل في عمل المؤسسات، والتأكيد على أن العدالة يجب أن تبقى مستقلة وأن القانون يطبق على الجميع دون استثناء، جاءت أحداث الاتحادية الوطنية للصيد لتطرح تساؤلات جدية حول مدى تجسيد هذه المبادئ على أرض الواقع.
فقد استكملت الاتحادية الوطنية للصيد، على مستوى القسم الجنوبي، انتخاب اللجان الست المكونة له، ولم يبق سوى استكمال انتخاب هيئات القسم ورئاسته وفق النظام الأساسي. إلا أن هذا المسار توقف، بحسب الأطراف المعنية، قبل استكماله، ثم انعقدت الجمعية العامة الوطنية قبل اكتمال تمثيل القسم الجنوبي، وهو ما أدى إلى نشوء نزاع قضائي حول مدى احترام الإجراءات والنظام الأساسي.
وأثناء نظر القضاء في النزاع، صدرت أوامر قضائية، ثم طلبات للرجوع عنها، ثم قرار من محكمة الاستئناف بتعليق تنفيذ أمر الرجوع إلى حين الفصل في الاستئناف، كما باشر العدل المنفذ إجراءات التنفيذ وطلب مؤازرة القوة العمومية لتنفيذ القرار القضائي. ومع ذلك، استمر المؤتمر في الانعقاد وانتخب رئيسًا جديدًا للاتحادية، رغم استمرار النزاع القضائي والإجرائي.
هذه الوقائع، كما وردت في المحاضر والوثائق الرسمية، تثير تساؤلات مشروعة حول مدى احترام الأحكام القضائية وهيبة القضاء، ومدى التزام جميع الأطراف بمبدأ سيادة القانون.
وتزداد هذه التساؤلات مع حضور شخصيات ذات نفوذ سياسي وإداري إلى مكان انعقاد المؤتمر، من بينهم رئيس اتحاد أرباب العمل، ووزير الصيد، ووالي الولاية، ومنتخبون وفعاليات أخرى، في وقت كان النزاع معروضًا أمام القضاء، وكانت هناك محاولات لتنفيذ قرار قضائي يتعلق بالمؤتمر.
ولا يتعلق الأمر بمجرد حضور شخصيات رسمية، وإنما بما إذا كان هذا الحضور قد أثر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في سير الإجراءات واحترام القرارات القضائية. فإذا كان النفوذ السياسي أو الاقتصادي قد استُخدم للتأثير على مسار التقاضي أو لتعطيل تنفيذ قرار قضائي، فإن ذلك يشكل مساسًا خطيرًا باستقلال القضاء وسيادة القانون، وهي مبادئ أكد رئيس الجمهورية نفسه أنها لا تقبل المساومة.
كما أن امتناع منظمي المؤتمر عن التجاوب مع إجراءات تنفيذ القرار القضائي، إذا ثبت قانونًا، يثير بدوره تساؤلات حول مدى احترام الأحكام القضائية، لأن تنفيذ القرارات الصادرة عن القضاء ليس مسألة اختيارية، بل هو من ركائز دولة القانون.
ولا يمكن إعفاء الجهات الرسمية المعنية من مسؤولياتها. فوزارة الصيد، باعتبارها القطاع الوصي على الاتحادية، كان يفترض أن تعمل على ضمان احترام النظام الأساسي واستكمال المسار الانتخابي قبل انعاد الجمعية العامة. كما أن بقية السلطات المختصة، كل في حدود صلاحياته، مطالبة بضمان تنفيذ الأحكام القضائية وحماية استقلال القضاء من أي تأثير أو ضغط.
إن القضية اليوم لم تعد مجرد خلاف انتخابي داخل هيئة مهنية، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام الدولة بالمبادئ التي أعلنتها. فحين يشعر المواطن أن أصحاب النفوذ قادرون على فرض الأمر الواقع رغم وجود نزاع قضائي وإجراءات تنفيذ جارية، فإن الثقة في المؤسسات تتعرض للاهتزاز، ويصبح الحديث عن استقلال القضاء وسيادة القانون بحاجة إلى ممارسات تؤكدها على أرض الواقع.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس مجرد نزاع انتخابي، وإنما ترسخ الاعتقاد بأن النفوذ والمال قادران على التأثير في مسار العدالة أو تعطيل تنفيذ الأحكام. فإذا صح ذلك، فإن الخاسر الحقيقي لن يكون طرفًا في الانتخابات، بل ستكون هيبة الدولة نفسها.
وإذا كانت الدولة جادة في تجسيد التوجيهات التي أعلنها فخامة رئيس الجمهورية، فإن هذه القضية تستحق تحقيقًا شفافًا في جميع الملابسات، بما في ذلك مدى احترام الإجراءات القضائية، وأي تدخل محتمل في سير العدالة، حتى يظل مبدأ استقلال القضاء واقعًا عمليًا لا مجرد شعار، ويظل القانون هو المرجعية العليا التي يخضع لها الجميع، مهما كانت مواقعهم أو نفوذهم
27/07/2026
الإتحادية العامة للصيد
FGP










