الثلاثاء
2026/09/8
آخر تحديث
الثلاثاء 8 سبتمبر 2026

إعادة الاعتبار لتاريخنا المضيء تبدأ من تحويل زيارة الرئيس غزواني لضريح المجاهد أبو بكر بن عامر إلى مشروع وطني لصيانة التراث وتوثيقه

منذ 24 ثانية
إعادة الاعتبار لتاريخنا المضيء تبدأ من تحويل زيارة (…)
طباعة

تكتسي زيارة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لضريح القائد المجاهد أبي بكر بن عامر -خلال إجازته الخاصة- دلالة رمزيّة بالغة؛ إذ تعكس اهتماماً استثنائياً بمعلم بارز يُشكل عماد التاريخ الموريتاني المضيء، وتستحضر أمجاد حركة المرابطين التي انطلقت شرارتها الأولى قبل نحو ألف عام (حوالي 1039م / 430هـ) بقيادة الأمير يحيى بن عمر وأخيه أبي بكر بن عامر، وبإشراف روحي وفكري من الشيخ عبد الله بن ياسين، وذلك من رباط تيدرة الممتد في المجالي البحري بين نواكشوط ونواذيبو.
لقد شكلت دولة المرابطين ظاهرة تاريخية استثنائية؛ إذ امتد نفوذها السياسي والعسكري شمالاً ليشمل المغرب الأقصى والأندلس وشبه الجزيرة الإيبيرية، ووصل تأثيرها الثقافي إلى تخوم جنوب فرنسا، كما أنقذت الوجود الإسلامي في الأندلس وأطالت أمد بقائه لأكثر من أربعة قرون، فضلاً عن تثبيت أركان الإسلام ونشره في عمق غرب أفريقيا.
ولم تكن دولة المرابطين مجرد إمبراطورية عسكرية، بل قدمت أنموذجاً فريداً في الزهد وتجرّد القادة؛ وتجلى ذلك في التنازل التاريخي للأمير أبي بكر بن عمر عن مقاليد الحكم في الشمال لابن عمه وقائد جيوشه يوسف بن تاشفين تجنباً لشقيق الفتنة وتفرغاً للجهاد في الصحراء والجنوب، كما تجسد في ترفع ابن تاشفين عن الغنائم والمكاسب الدنيوية ورعاية حقوق الأمة.
إن الوقوف الرئاسي عند هذا الضريح يمثل خطوة جريئة في صدارة المشهد لاستعادة هذا الموروث الحضاري واستنطاقه، بعد عقود عانى فيها التاريخ الوطني من معالجات قاصرة أو محاولات تشكيك وصلت لدى بعض الأطراف إلى حد مراجعة حقيقة "الرباط" وموقعه الجغرافي. ومن هنا، فإن الزيارة تعد رداً اعتبارياً على القراءات الشعوبية والمشككة، ودعوة صريحة للدوائر الأكاديمية والدولية لإعادة إنصاف المرجعية الموريتانية لهذه الحقبة العظيمة من التاريخ الإسلامي، ودفعاً نحو صياغة وعي تاريخي جديد لدى النخبة والدولة على حد سواء.
يمثل عهد المرابطين وعهد المقاومة الوطنية المحطتين الأبرز اللتين أخرجتا التاريخ الموريتاني من حدود الإقليمية الضيقة إلى آفاق العالمية. ورغم أن الحقبة الفاصلة بينهما شهدت إشعاعاً علمياً ولغوياً وأدبياً استثنائياً أذاع اسم "شنقيط" في أرجاء العالم الإسلامي والعالم، إلا أن قراءة التاريخ يجب أن تتجاوز الانكفاء على التفاعلات الاجتماعية الضيقة.
إن التركيز على التاريخ المحلي القائم على العصبيات القبلية والبحث في الأنساب ليس إلا مجهوداً هادراً للوقت والمقدرات، ومغذياً للتفكك والتشظي، ومدمراً للقدوات الملهمة. إن التاريخ الحقيقي هو الحافز لبناء المستقبل، والمحرك لاستعادة أمجاد التميز الحضاري.
ولكي لا تظل هذه الزيارة الرئاسية مجرد مبادرة شخصية أو لحظة عابرة، فإن المطلوب هو أن تتتبعها قرارات تنفيذية صارمة وآليات عمل مؤسسية تتجاوز عقبات الإهمال والروتين البيروقراطي الذي ظل يطبع الأداء الحكومي. إن إعادة الاعتبار لتاريخنا المضيء تبدأ من تحويل هذه اللفتة السامية إلى مشروع وطني لصيانة التراث وتوثيقه، وصياغة العقل الجمعي للأجيال القادمة.

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار