الجمعة
2026/05/29
آخر تحديث
الجمعة 29 مايو 2026

الوزير السابق ولد بلال يكتب عن الرئيس واد: ليس عبد الله واد مجرد اسمٍ في سجل الرؤساء

منذ 1 ساعة
الوزير السابق ولد بلال يكتب عن الرئيس واد: ليس عبد الله (…)
طباعة

على أعتاب أيام قليلة، تستعد السنغال للاحتفاء بمرور مئة عام على ميلاد الرئيس عبد الله واد، وهي مناسبة لا تُقاس بمرور الزمن وحده، بل بما تختزنه من ذاكرة سياسية وفكرية لرجل طبع تاريخ بلاده، وامتد أثره إلى فضاء إفريقي أرحب.
ليس عبد الله واد مجرد اسمٍ في سجل الرؤساء، بل هو صفحةٌ زاخرة من صفحات النضال والعمل العام، حيث تلاقت في شخصه ملامح المثقف الموسوعي والسياسي المحنك.
وقد أتاح لي القدر أن أتعرف عليه عن قرب، وأن ألتقيه أكثر من مرة إبّان تحملي مسؤولية وزارة الخارجية، ثم حين تشرفت بأن أكون لديه سفيرًا. وفي كل لقاء، كنت أكتشف جانبًا جديدًا من شخصية متعددة الأبعاد، تجمع بين عمق الفكر وسلاسة الحضور.
وعلى المستوى الشخصي والمهني، عشت معه لحظتين بارزتين من تاريخ بلادنا ومسار علاقاتنا مع السنغال؛ لحظتين اتسمتا بالدقة والحساسية، واختبرتا معدن الرجال في إدارة الأزمات. الأولى كانت في الثالث من أغسطس 2005، إبان الانقلاب علينا والإطاحة بالرئيس معاوية ولد الطايع، والثانية في السادس من أغسطس 2007، خلال الانقلاب على الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، رحمه الله. وفي هاتين المحطتين، برزت لدى عبد الله واد قدرة لافتة على قراءة المشهد، وحرص واضح على التوازن، مع تمسك عميق باستقرار المنطقة وصون العلاقات الأخوية بين البلدين. ولو كتب الله لي أن أُكمل كتاب مذكراتي، فسيجد القارئ بين صفحاته كثيرًا من التفاصيل والمعلومات حول ما دار بيني وبين الرئيس واد، ووزير خارجيته الشيخ التجاني گاديو، في كلتا المناسبتين؛ عبر الهاتف سنة 2005، ثم بشكل مباشر سنة 2008، وهي أحاديث تكشف جانبًا مهمًا من كواليس تلك المرحلة الدقيقة من تاريخ المنطقة.
كان رجلا من طراز خاص؛ مثقفًا واسع الاطلاع، متشبثا بجذوره الإفريقية، مؤمنا بقيمها، مدافعا عنها في المحافل الدولية. ولم يكن ذلك ادعاء أو شعارا، بل ممارسة يومية تنعكس في مواقفه وخياراته. إلى جانب ذلك، اتسم بدماثة الخلق ووداعة الطبع، وقربه من الناس، وهي خصالٌ قلما تجتمع في رجلٍ جمع بين السلطة والفكر.
وليس من باب الإطراء العابر أن يُقال فيه ما يُقال، بل هو توصيفٌ تُثبته المعايشة. فقد كان يكنّ لموريتانيا تقديرًا خاصًا، ويوليها مكانة معتبرة في حساباته، إدراكًا منه لعمق الروابط التي تجمع البلدين، ووعيًا بحساسيات الجغرافيا والتاريخ.
إن الاحتفاء بمئوية عبد الله واد ليس مجرد استذكار لسيرة رجل، بل هو وقفة تأمل في مسار جيلٍ من القادة الذين جمعوا بين الحلم الإفريقي والواقعية السياسية، بين الأصالة والانفتاح، وبين الفكر والممارسة. وفي زمنٍ تتسارع فيه التحولات، تبدو مثل هذه المحطات ضرورية لاستعادة المعنى، واستحضار النماذج التي صنعت الفارق.
وهكذا، تمضي السنغال نحو هذه المناسبة، لا لتحتفل بعمر امتد قرنًا، بل لتكرم تجربة اختزلت
قرنًا من الطموح والعمل.
من صفحة الوزير الأسبق الموريتاني محمد فال ولد بلال