الجدل حول المأموريات والدستور.. إغلاق المأموريات أم إغلاق العقول؟
سلسلة تأملات وملاحظات وتساؤلات
(لا ينبغي الخلط بينها وبين اتخاذ موقف
الجدل حول المأموريات والدستور
لنتعجب أولًا من أنفسنا قبل غيرنا، حين تتحول السياسة إلى دين.
ننزلق شيئًا فشيئًا، عن وعي أو غير وعي، بعيدًا عن القيم والمبادئ المستمدة من ديننا الحنيف، لنستبدلها بمعتقدات نصنعها بأيدينا.
أصبحت السياسة دينًا، والديمقراطية دينًا، بل وحتى التلاعب بالمال العام لدى البعض صار وكأنه ممارسة “مقدسة”. أما مسألة تحديد المأموريات أو تعديل الدستور، فقد تحولت عند فئة من الناس إلى عقيدة جامدة لا تقبل النقاش.
في المقابل، أصبح معارضة الدولة في كل شيء نوعًا من “الإيمان”، وغدا ازدراء الوطن والشعب أمرًا عاديًا، بينما يُقدَّس بشكل أعمى كل ما يأتي من الخارج، شرقًا وغربًا.
والأخطر من ذلك، بروز أشكال جديدة من التعصب: تعصب مناهض للمجتمع، وقبلية مرفوعة إلى مصاف المبادئ التي لا تُمس.
كيف وصلنا إلى هذا الحال؟ كيف أصبح السبّ وانتهاك الكرامة والتعدي على الحياة الخاصة سلوكًا مألوفًا؟ وكيف تحولت الأيديولوجيات إلى أديان مغلقة ترفض الحوار والمراجعة؟
تتعدد الأسباب، لكن من أبرزها الهروب إلى السهولة ورفض بذل الجهد الفكري. فالتفكير العميق وتحليل الواقع في سياقه يتطلبان جهدًا لا يرغب كثيرون في تحمّله.
وهكذا، نشهد عزوفًا عن القراءة والتحليل، مقابل الانشغال بالمظاهر والملذات السطحية، التي تحولت بدورها إلى “مسلمات” لا تُناقش. وأصبح من الأسهل تبني شعارات فارغة تُردد كأنها حقائق مطلقة، بينما يُسعى في الواقع وراء مكاسب ضيقة على حساب القيم والوطن.
فما هذا “الدين” الجديد؟
وما هذه السياسة؟
وأين اختفت القيم؟
الفكر المستقل: تحدٍّ سياسي
هل يمكن للإنسان أن يحتفظ بفكر مستقل في بيئة سياسية مستقطَبة؟
أطرح هذا السؤال على نفسي قبل أن أقرر: هل أتكلم أم ألتزم الصمت؟
أنا رجل مستقل، أدعم رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني بإخلاص، ومتمسك بالاستقرار والديمقراطية، دون أن أكون يومًا معاديًا لمعارضة جادة.
لكن، هل يُسمح لي بأن تكون لي أفكاري الخاصة؟ هل يمكن أن تُفهم مواقفي كما هي، أم ستُفسَّر وفق قوالب جاهزة ونوايا مفترضة؟
هل يمكن أن يُمنح الإنسان حق الاستقلال الفكري، حتى وإن خالف الخطاب السائد؟ أم أن هذا الحق يُمنح أو يُسلب حسب موقعه في الخريطة السياسية؟
أليس من حق كل فرد أن يُفهم كما هو، لا كما يُراد له أن يكون؟
اخترت أن أتكلم، لا لا عبر عن موقف ، بل لإثارة التفكير.
أليس الأجدر أن نستمد من ديننا روح الحكمة في إدارة شؤوننا، بدل تحويل القواعد السياسيةً إلى مسلمات جامدة؟
لا يفترض هذا الالهام - بأي حال من الأحوال- أن كاتبه يدّعي المعرفة أو التخصص ؛ أو أنه عالم دين أو فقيه مسلم .
كما لا يسعى إلى تأليه السياسة ؛ وإنما هو مجرد دعوة إلى الحكمة والاعتدال وحسن التمييز ، في إطار احترام المعنى العميق للمبادئ الدينية .
.
أول مثال مستلهم
من الإسلام ومتوافق
مع جوهر الديمقراطية
نعلم أن في علاقة الخالق بعباده ، بأنه يحاسب كل إنسان يوم القيامة . وهو يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ، إلا من أتى الله بقلب سليم :
( فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ • وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ ) . سورة الأعراف (الآيتان 8–9)
تُوزن في ذلك اليوم أعمال كل إنسان بين الحسنات والسيئات . كذلك في النظام الديمقراطي ، يُقيّم الشعب المرشح على أساس حصيلة أفعاله . فيمنحه ثقته أو يحجبها عنه ، وفق ميزان واضح ، قائم على العمل والنتائج .
وهكذا ، سواء في الدين أو في السياسة ، فإن العدل يقوم على التقييم والميزان والمسؤولية ؛ لا على المسلّمات الجامدة ، أو الشعارات التي لا تُمس.
الحكمة ثمرة التجربة
يُعلي الإسلام من شأن الحكمة باعتبارها ثمرة للتجربة والتأمل. قال تعالى:
﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾
وتقول الحكمة الشعبية: “كل بداية تُثير الدهشة”.
إن تقديس مدة الولاية الرئاسية، خاصة في الدول الناشئة، قد يؤدي إلى تعطيل التفكير النقدي، حين تُقدَّم المدة على حساب الكفاءة والتجربة.
ففي السياسة كما في الحياة، لا ينبغي أن يكون الحكم على الزمن وحده، بل على ما يُنجز خلاله.
يكشف الجدل حول تحديد عدد الولايات الرئاسية عن انزلاق واضح، حين تتحول قاعدة تنظيمية إلى ما يشبه “المقدّس” الذي لا يُناقش.
وإذا كان لا بد للسياسة من مرجعية قيمية، فالأجدر أن تكون مستمدة من مرجع أصيل، لا من تصورات ظرفية.
في الإسلام، يرتبط كل شيء بمفهوم الأجل:
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾
فلكل مرحلة زمنها، ولكل مسؤولية حدودها.
لكن الحكمة تكمن في التوازن: لا في التقديس الجامد، ولا في الانفلات الكامل.
بين هذين الحدين، يوجد مجال لفكر حر، يقوم على البصيرة والاعتدال وتحمل المسؤولية.
وهنا… ينبغي أن يبدأ النقاش.
•••••
محمد بن محمد الحسن
الرئيس المؤسس لمعهد مدد راس
ولمبادرة تبري مورتاني
واحد ابريل 2026




