كيف نجمع بين الأفكار والوسائل؟
كم من عقلٍ ثاقب ابتدع فكرة لامعة، لكنه عجز عن تجسيدها على أرض الواقع لغياب الوسائل، وكم من شخص امتلك المال، والجاه، والنفوذ، ولكنه ظل عاجزا عن استثمار كل ذلك فيما ينفع الناس ويمكث في الأرض، وذلك لغياب الأفكار القادرة على صهر تلك القدرات من مال وجاه ونفوذ، وتوجيهها في الاتجاه الصحيح.
عندما أتأمل حال هؤلاء وأولئك، استحضر ـ أول ما استحضر ـ توزيع الأرزاق بين الناس، فمن الناس من يرزقه الله عقلا راجحا، ويُضَيّق عليه في المال، ومنهم من يوسع له في المال، ويضيق عليه في القدرة على إنتاج أفكار هو في أمس الحاجة إليها.
هذه الثنائية في توزيع الأرزاق لا تتوقف على المال والأفكار، بل تمتد لتشمل ثنائيات عديدة أخرى، وقد خصصت في وقت سابق حلقة من "ومضة في دروب الحياة" لثنائية المال والصحة، وقدمتُ فيها مثالا من الواقع، يساعد كثيرا في فهم واستحضار هذه الثنائية. (الحلقة توجد مكتوبة في أول تعليق)
أقول، عندما أتأمل هذه الثنائيات، أستحضر ـ أول ما أستحضر ـ توزيع الأرزاق بين الناس، ثم استحضر بعد ذلك حاجة الناس بعضهم لبعض، وأهمية تكامل الأدوار بينهم، فصاحب الفكرة يحتاج إلى صاحب الوسيلة، وصاحب الوسيلة يحتاج إلى صاحب الفكرة، ولا غنى لأحدهما عن الآخر، وهما عندما يجتمعان، ويكمل كل واحد منهما الآخر ـ وقليلا ما يحدث ذلك ـ تكون النتائج مبهرة، فيستفيد كلاهما، كما يستفيد المجتمع من ذلك التكامل.
إن التحدي الحقيقي، يكمن في بناء جسور بين الطرفين تضمن لقاءهما في أعمال ومبادرات ذات نفع عام، فكيف يمكننا تشييد تلك الجسور؟
إن الفكرة التي لا تجد وسيلة، ستبقى كالبذرة التي يلقى بها في صحراء جدباء قاحلة، فأنى لها أن تثمر؟ إن البذرة خلقت أصلا لتثمر، ولكن بشرط أن يلقى بها في تربة صالحة، لا في أرض قاحلة جرداء. فكم من فكرةٍ عظيمة بقيت خاطرةً في عقل صاحبها، لأنها لم تجد اليد القادرة على زرعها في تربة صالحة، ورعايتها حتى تثمر.
وفي المقابل فإن الوسيلة، سواء كانت مالا أو جاها أو نفوذا، إن لم تهتدِ بفكرة، تظل طاقة حبيسة غير مستغلة، أو في أحسن الأحوال طاقة مهدورة: مشاريع سطحية، ومبادرات فارغة، والأخطر أن هذه الوسائل قد تتحول إلى أدوات تدمير للمجتمع.
فإذا كانت الوسيلة هي السيارة، فإن الفكرة هي المحرك، فالسيارة بلا محرك مجرد هيكل ساكن، ومحرك بلا سيارة سيبقى طاقة معطلة بلا فائدة.
الحل في أن يجلس صاحب الفكرة بجانب صاحب الوسيلة، ويتبادلان الثقة والرؤية، فعندها تولد المشاريع الكبرى، وتُبنى المؤسسات الرائدة، وتنبثق المبادرات التي تصنع الفارق، ولهذا على أصحاب الأفكار أن يخرجوا من عزلتهم، وأن يتقنوا فن عرض أفكارهم بأسلوب جذاب يغري الشريك المحتمل. وعلى أصحاب الوسائل أن يقدّروا العقول المبدعة، وأن يفتحوا أبوابهم للفكرة الملهِمة قبل أن ينشغلوا بمشاريع عابرة بلا قيمة مضافة.
من صفحة الناشط محمد الأمين الفاظل



