معهد مدد رأس في رسالته للرئيس غزواني: من أجل إنشاء مجلس أعلى لصون وترقية قيم الحضارة الموريتانية
رسالة مفتوحة إلى العناية السامية لفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد الشيخ الغزواني
مقترح من معهد مدد راس 2Ires :
من أجل إنشاء مجلس أعلى لصون وترقية قيم الحضارة الموريتانية
تبرز اليوم ، في وطنٍ عُرف عبر تاريخه ، بنبل قيم شعبه ، وبروح التضامن والتسامح والكرامة ، التي ميّزت دائمًا مجتمعه ؛ وفي بلد ظلّ فترة طويلة يُضرب به المثل في السمو الأخلاقي ، وإغاثة الضعفاء ، والاحترام العميق للإنسان ... نعم تبرز اليوم تحديات جديدة تهدد هذا الإرث الأخلاقي والحضاري العظيم .
لقد تشكّل المجتمع الموريتاني عبر قرون ، على أسس راسخة ، مستمدة من القيم الأصيلة للإسلام ، ومن تقاليد متجذّرة في الشرف والوفاء والكرم والتكافل . كان يُنظر للمال أساسًا ، باعتباره وسيلة لفعل الخير وخدمة المجتمع ، لا أداة للأنانية أو الهيمنة أو الفساد . كما كانت قيم الشرف ، والحياء ، والعدل ، واحترام الإنسان ، جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية ، التي منحت موريتانيا صورتها الموقّرة بين الأمم .
غير أن التحولات المتسارعة في العالم المعاصر ، والانفتاح على نماذج ثقافية وسلوكية دخيلة ، ساهمت في بروز مظاهر جديدة ومقلقة ؛ من بينها "الفردانية" ، والعنف ، وضعف الإحساس بالواجب ، وتطبيع الفساد ، وتراجع روح المصلحة العامة . كلها انحرافات غريبة عن الروح الحقيقية للمجتمع الموريتاني ، وعن إرثه التاريخي .
ومن هنا ، أصبح من الضروري اليوم ، حمل مشروع وطني كبير لإحياء قيمنا الأصيلة ، وجعلها رافعة لإصلاح المجتمع والدولة والإدارة . فإعادة البناء الأخلاقي والقيمي للإنسان ، تمثل المنطلق الحقيقي لإصلاح المؤسسات ، وتعزيز الثقة العامة ، وترسيخ العدالة ، وإحياء روح المسؤولية الوطنية .
فقد قادتني هذه القناعة العميقة -منذ سنة 1999 - إلى اقتراح رؤية استراتيجية على البنك الدولي ، تقوم على فكرة أن إحياء القيم الشنقيطية الأصيلة ، يمكن أن يشكل أداة حقيقية لإعادة التأهيل الأخلاقي والاجتماعي والمؤسساتي لموريتانيا . وقد تفضل البنك الدولي باستقبال هذه المبادرة بإيجابية ،. وبالمساهمة في تمويلها ؛ إدراكًا منه أن التنمية المستدامة لا يمكن فصلها عن الأسس الأخلاقية والثقافية للمجتمعات .
وفي هذا الإطار ، نظّم مكتبي ندوة كبرى في سنة 2004 في مدينة شنقيط ، اًستمرت واشرف -بتعاون وثيق مع القانوني الشهير والنزيه بالبنك الدولي ، السيد هانس وابنيتز- طيلة أسبوع كامل ؛ شارك فيها عشرات العلماء والمثقفين والشخصيات الوطنية البارزة ؛ كان من بينهم على وجه الخصوص ، المرحوم الشيخ ولد عدود ، وحمدن ولد التاه ، وبابا معطى الله - رحمهم الله جميعًا - ، إلى جانب مفكرين وعلماء آخرين ( من بينهم محمد المختار امبالا ) ، وهم مقتنعون بأن نهضة موريتانيا لا يمكن فصلها عن إحياء منظومتها القيمية وإرثها الحضاري .
ولا أزال إلى اليوم على تواصل مع السيد هانس وابنيتز ، الذي يظل التزامه بالحكامة الرشيدة والنزاهة والتنمية القائمة على القيم الإنسانية ، مرجعًا يُحتذى به . وإنني على يقين بأن مشروعًا استراتيجيًا بحجم إنشاء "مجلس أعلى لصون وترقية قيم الحضارة الموريتانية" ، يمكن أن يحظى كذلك باهتمام ودعم البنك الدولي ، وكذا المؤسسات المالية الإفريقية والإسلامية والعربية، لما يمثله من ارتباط مباشر بأسس التنمية المستدامة ، واستقرار المؤسسات .
اليوم ، وأمام ضرورة حماية الهوية الوطنية ، وتعزيز الأسس الأخلاقية للمجتمع ، تبرز بشكل طبيعي فكرة إنشاء "مجلس أعلى لصون وترقية قيم الحضارة الموريتانية" . وستكون مهمة هذه المؤسسة حماية هذا الإرث الأخلاقي والثقافي ، ونقله إلى الأجيال القادمة ، وتحويله إلى ثقافة مؤسساتية ، حاضرة في التعليم والإدارة والإعلام والسياسات العمومية .
ولن يكون هذا المجلس مجرد هيكل إداري إضافي ، بل مشروعًا حضاريًا واستراتيجيًا حقيقيًا ، يهدف إلى صيانة القيم التي قامت عليها الدولة والمجتمع الموريتاني ، وفي مقدمتها القيم التي اختارها للجمهورية ، الرئيس المؤسس المختار ولد داداه : " شرف-إخاء-عدالة " انها قيم ينبغي أن تبقى حاضرة في الوعي الوطني ، وأن تتجسد - عمليًا- في سلوك الدولة والمجتمع والإدارة .
فخامة الرئيس ،
من غيركم اليوم ، يمكنه حمل مثل هذه المبادرة التاريخية ؛ وأنتم الذين أطلق عليكم الشعب الموريتاني -عن جدارة - لقب " رئيس القيم " ، لما عُرف عنكم من تمسك بالتهدئة ، والسعي إلى تخليق الحياة العامة ، وإعادة هيبة الدولة ، وترسيخ الإنصاف والتسامح؟
فلا شيء في عصرنا ، يمكن الحفاظ عليه أو تطويره ، إذا تُرك دون حماية الدولة ، ودون التزام المنظومة السياسية . فالقيم -مهما عظمت - تضعف عندما لا تحميها المؤسسات ، ولا تنقلها المدرسة، ولا تساندها وسائل الإعلام ، ولا تُدمج في السياسات العمومية .
إن صون القيم ليس ترفًا فكريًا ولا خطابًا مثاليًا ، بل ضرورة وطنية ، وضمانة للأمن الحضاري للأمة . فالدول لا تُبنى بالاقتصاد والبنى التحتية فحسب ، وإنما تُبنى أولًا بنزاهة الرجال ، وعدالة المؤسسات ، وتماسك المجتمع ، والثقة بين المواطن والدولة .
ومن شأن هذا المجلس الأعلى أن يشكل منعطفًا حقيقيًا في بناء موريتانيا الحديثة ، وذلك من خلال ترسيخ قيم النزاهة ، ومحاربة الفساد ، وتعزيز روح المواطنة ، وحماية الشباب ، وإحياء قيم العلم والتضامن والاحترام التي صنعت عظمة أرض شنقيط عبر التاريخ .
إن موريتانيا ، التي أنجبت عبر تاريخها علماء وفقهاء ومصلحين كبارًا ، ما تزال قادرة اليوم ، على جعل القيم مشروعًا وطنيًا جامعًا ؛ قادرًا على استعادة الثقة ، وصيانة الهوية الوطنية ، وفتح الطريق أمام نهضة أخلاقية وحضارية شاملة .
إنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ
فإنْ همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا
٠٠٠٠
محمد ولد محمد الحسن
الرئيس المؤسس لمعهد مددراس2Ires
في 9 مايو 2026




