الثلاثاء
2026/03/31
آخر تحديث
الثلاثاء 31 مارس 2026

القرآن وسؤال المعنى: من أزمة الإلحاد المعاصر إلى برهان الوحي(الحلقة: 13)

منذ 30 دقيقة
القرآن وسؤال المعنى: من أزمة الإلحاد المعاصر إلى برهان (…)
طباعة

الإيمان بالله في عقيدة الإسلام:
يُعدّ الإيمان بالله تعالى الركيزة الأساسية في العقيدة الإسلامية، حيث يقوم على إثبات وجوده سبحانه واتصافه بصفات الكمال المطلقة، وتنزهه عن كل نقص.
ومن أبرز هذه الصفات صفة الحياة، إذ إن الله تعالى حيٌّ بذاته لا يموت، وحياته صفة ذاتية واجبة له، قديمة أزلية، لا يلحقها فناء ولا عدم. وهي صفة كمال؛ لأن الموت نقص، والله سبحانه منزّه عن جميع النقائص، ومتصف بكل صفات الكمال(36).
وترتبط صفة الحياة ارتباطًا وثيقًا ببقية الصفات الإلهية؛ إذ لا يُتصوَّر اتصافه تعالى بالقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام إلا إذا كان حيًّا، مما يؤكد أن الحياة أصلٌ لبقية الصفات.
وقد أكد القرآن الكريم هذه الحقيقة في مواضع عديدة، منها قوله تعالى:
﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255]،
وقوله سبحانه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ [غافر: 65]،
وقوله جل شأنه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: 58]،
وقوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: 111].
وهو ما يؤسس لمبدأ الجمع بين الإثبات والتنزيه في العقيدة الإسلامية.
الفطرة ومعرفة الله تعالى:
يقرر القرآن الكريم أن معرفة الله تعالى مركوزة في الفطرة الإنسانية، حيث أشهد الله بني آدم على ربوبيته، فقال سبحانه:
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ ﴾ [ الأعراف:172]،
وهو ما يدل على أن الإيمان بالله أصلٌ فطري سابق على كل معرفة مكتسبة.
ومن جهة أخرى، يجمع القرآن بين إثبات صفات الكمال لله تعالى وتنزيهه عن مشابهة المخلوقات، فيقرر وحدانيته وتنزهه عن الشبيه والمثيل، كما في قوله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
وتتجلى حقيقة التوحيد والتنزيه في سورة الإخلاص التي تُعدّ أساسًا في بيان وحدانية الله تعالى، حيث يقول سبحانه:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]،
فالأحدية تقتضي التفرد المطلق، والصمدية تدل على الكمال والغنى، ونفي الولد والكفء يؤكد التنزيه عن كل مشابهة أو مماثلة.
وعليه، فإن الله في التصور الإسلامي هو الموجود الأسمى، المتفرد بصفات الكمال، المتصف بالعزة والجلال، والمهيمن على الكون كله، تصدر عنه الموجودات، وتخضع لإرادته جميع الحوادث والتغيرات.
شروط تحقق العملية العقلية(37).
تقوم العملية العقلية على مجموعة من الشروط الأساسية التي لا يتحقق التفكير الصحيح بدونها، وهي:
وجود واقع يُدرَك
الإحساس بهذا الواقع عبر الحواس
وجود دماغ سليم قادر على المعالجة
توفر معلومات سابقة تُفسِّر هذا الواقع
وتُعدّ المعلومات السابقة عنصرًا جوهريًا في تكوين المعرفة؛ إذ بدونها لا يستطيع الإنسان تفسير ما يدركه من الواقع. وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى:
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]،
حيث تدل الآية على أن الله تعالى زوّد الإنسان الأول بمعرفة سابقة مكّنته من إدراك الأشياء وفهمها عند عرضها عليه.
وبناءً على ذلك، فإن التفكير هو عملية ربط بين الواقع المحسوس والمعلومات المخزنة في الذهن، لينتج عنها حكم على الأشياء.
الإيمان بالغيب وحقيقة الروح
يُظهر هذا التحليل أن الإيمان بالله وصفاته، وعلى رأسها صفة الحياة، يمثل أساسًا لفهم الإنسان والكون. كما أن الروح تُعدّ عنصرًا غيبيًا في تكوين الإنسان، لا يمكن إدراك حقيقته بالعقل المجرد.
وقد بيّن القرآن حدود المعرفة البشرية في هذا المجال بقوله تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85]،
مما يدل على أن حقيقتها مما استأثر الله بعلمه.
وفي المقابل، تتأرجح التصورات غير الإسلامية للروح بين التفسير المادي البحت، وبين تصورات دينية جزئية، إلا أنها لم تستطع تقديم تعريف جامع مانع لحقيقتها(38).
يتبين من خلال ما سبق أن العقيدة الإسلامية تقدم تصورًا متكاملًا يجمع بين:
الإيمان بالله وصفاته الكاملة
التنزيه عن مشابهة المخلوقات
الاعتراف بحدود العقل البشري
إثبات الغيب كمكوّن أساسي في فهم الوجود
كما يظهر أن القرآن الكريم يتميز بخصوصية مصدره الإلهي، وتفرده في عرض قضايا العقيدة بأسلوب يخاطب الفطرة والعقل معًا، مما يؤكد إعجازه وسموّ مصدره.
العلاقة بين العقل والوحي
يُبرز التصور الإسلامي تكامل العلاقة بين العقل والوحي، حيث يُعدّ العقل أداة لفهم النصوص الشرعية، لكنه لا يستقل بإدراك الغيبيات أو تفسير مصدر الوحي.
فالقرآن الكريم خطاب إلهي متجاوز للقدرات البشرية، ويتميّز بخصوصية مصدره، مما يجعله خارج نطاق الإنتاج البشري. ومن ثمّ، فإن العقل يُستخدم في فهم دلالاته، لا في الحكم على مصدره(39)
يتضح من خلال هذا المبحث أن الإيمان بالله تعالى وصفاته، وعلى رأسها صفة الحياة، يمثل الأساس الذي تقوم عليه الرؤية الإسلامية للوجود.
كما أن العملية العقلية لا تنفصل عن المعطيات الحسية والمعلومات السابقة، وأن الإيمان بالغيب يحدّد الإطار العام للمعرفة الإنسانية.
ويؤكد ذلك كله أن الإسلام يقدّم تصورًا متوازنًا يجمع بين الإيمان والعقل، ويُرسّخ فهمًا شاملًا للإنسان والكون والحياة.
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.
.....يتواصل....

لمرابط ولد لخديم