أغنية أولاد لبلاد!!
لقد شهد البلد، خلال السنوات الأخيرة، بناء مسار أخلاقي أسهم في تشكيل صيرورة جديدة داخل الخطاب السياسي، خاصة في مفردات النقد. وأصبح هذا التحول جزءًا من مناخ عام انسجم حوله الجميع، وبدأت ملامحه تنعكس على طريقة التعبير والممارسة في الساحة السياسية والإعلامية.
غير أن "أولاد لبلاد"، حين غادروا، كان ذلك القاموس المختلف لا يزال جزءًا من أدوات الخطاب الدعائي والإعلامي السائد آنذاك. ولذلك، فإن عودتهم إلى ذلك اللون من التعبير لا يمكن فهمها إلا في سياق انقطاعهم عن هذا التحول الذي شهده البلد.
ومع ذلك، فإن الاستمرار في هذا النمط لا يُعد مجرد اختلاف في الأسلوب، بل يُمثل تراجعًا عن مسار مهم قطعه البلد نحو الارتقاء بالعمل السياسي والإعلامي، بل وحتى الفني. وهو تراجع لن يكون بلا كلفة، إذ سيدفع الجميع ثمنه في تآكل الاحترام المتبادل، وتراجع منسوب التقدير بين الفاعلين.
إن الحفاظ على هذا المسار الأخلاقي ليس ترفًا، بل ضرورة لحماية الفضاء العام من الانحدار، وضمان بقاء الاختلاف في حدوده الصحية التي تخدم المجتمع
– غزواني وتأسيس خطاب أخلاقي جديد في مواجهة الانحدار
بعد فترة من الانقلاب على رئيس الجمهورية، المرحوم سيدي ولد الشيخ عبد الله، اعتدتُ زيارته في لمدن. وفي أحد الأيام، وفي ثنايا الحديث، قال إن محمد ولد الشيخ الغزواني يتمتع بأخلاق وسلوك نادرين. ولم يذكر الآخرين بسوء، بما فيهم محمد ولد عبد العزيز. كانت تلك الإشادة لافتة إلى حد أربكني.. أن تصدر بهذا الصفاء في حق رجل أُطاح به في انقلاب، فذلك يحمل دلالات عميقة لا تُقال اعتباطًا.
كنتُ قد التقيتُ الغزواني سابقًا في رئاسة الأركان، لقاءً عابرًا لم يُتح لي يومها مجاراة الراحل في تلك الشهادة أو التثبت منها. غير أن الزمن تكفّل لاحقًا بكشف ملامح الصورة.
عندما أُعلن عن ترشح محمد ولد الشيخ الغزواني، كانت الساحة السياسية مشحونة باحتقان شديد. وكان أكثر الفاعلين حماسة في تلك اللحظة بيرام وعزيز، لكلٍّ منهما قاموسه الحاد ومفرداته الخاصة، وقد انعكس ذلك على خطاب الحملة وإعلامها. يومها، كنتُ في الضفة الأخرى مع سيدي محمد ولد بوبكر. وكنا نلاحظ أنه كلما صدر تصريح غير مناسب من أحد أعضاء حملة غزواني، تبيّن لاحقًا أنه تدخّل شخصيًا لوقفه. ومع مرور الوقت، بدأت الحملة تتحول من مسار التوتر إلى منحى أخلاقي واضح.
ومن هناك بدأ يتشكل مسار مختلف في الحياة السياسية، قوامه تهذيب الخطاب وتقليص مساحات الخصومة، حتى بدا وكأن الساحة تُعاد صياغتها على قاعدة أقل صدامًا، وأكثر انفتاحًا وتقبّلًا للآخر واحترامًا له. لقد أصبحنا في مواجهة تنشئة سياسية جديدة حيث غابت عادات ومفردات وحلت محلها أخرى أخلاقية .
وبعد وصوله إلى السلطة، كرّس ولد الغزواني هذا التوجه عبر سياسة انفتاح واسعة، خفّفت من حدة الاحتقان، وأعادت تشكيل العلاقة بين الفرقاء، فتحوّل خطابهم وسلوكهم حياله، حتى خفَتَ صوت المعارضة أو أعاد تموضعه على نحو غير مألوف ، وقد كنت ضمن ذلك التموضع بتأثير لقاءاته واستوعبت عمق ماقاله المرحوم سيدي ولد الشيخ عبد الله .
غزواني، في جوهره، رجل هادئ الطباع، دمث الخلق، قريب الجانب، ويبدو أنه يحمل نية صادقة في خدمة بلده. قد يختلف الناس حوله إلا في إنكار أن سياسته ترتكز على ركيزتين واضحتين: الأخلاق والإخلاص للوطن.
لقد كانت تلك المساحة من الهدوء والاحترام التي أُدخلت إلى الحياة العامة فرصة حقيقية كان يمكن استثمارها بشكل أعمق. ومع ذلك، يظل من الممكن أن تعارض غزواني سياسيًا، لكن من الصعب ألا تحترمه إنسانيًا.
فهو، في نهاية المطاف، لا يُختزل في موقعه الرسمي، بل يتجاوزه إلى صورة رجل يرمز إلى قدر من الوقار والاحترام النادر والمواساة والعمل العام، وهي صفات نادرة في زمن السياسة الصاخب.
لقد خفّض منسوب الاحتقان في لحظة كان فيها البلد بحاجة إلى التقاط أنفاسه. بل إن تأثير هذا النهج كان ملموسًا إلى درجة أن البعض صار يتحدث، بنبرة ما بين الجدية والمزاح، عن “أثر خاص” يتركه الرجل فيمن يلتقيهم، بالنظر إلى التحولات التي تطرأ على خطابهم ومواقفهم.
قد يختلف المراقبون في تقييم النتائج، وقد تُطرح أسئلة مشروعة حول الأداء واختيارات المحيط، إلا أن الانسجام في البلد قائم على ان غزواني أدخل إلى المعادلة السياسية عنصرًا نادرًا: الأخلاق بوصفها خيارًا، لا مجرد شعار.
لقد أضفى على الخطاب السياسي، وعلى مخرجات العمل العام، مسحة أخلاقية واضحة. وهذه ليست مسألة شكلية، بل ركيزة لأي استقرار طويل الأمد.
لقد أعاد إلى ساحة النزال السياسي شيئًا من قواعدها الأخلاقية، وأضفى على مفردات الخطاب، وعلى مخرجات العمل السياسي والحكومي، نفس المسحة الأخلاقية العالية. ومن المهم للبلد أن يحرص الجميع على صون هذه القيم، لتظل إطارًا ناظمًا لكل المبادرات، وحاضنةً لكل النجاحات والمخرجات ببعدها الأخلاقي لكي تبقى مساهمة مهمة أو مشاركة من أي باب في سبيل تغيير البلد .إن الصيت والنجاح من دون أخلاق لا طعم له ولن يكون ضمن الجهود الإيجابية في الإصلاح أو البناء ولن يتذكره التاريخ .
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار




