موريتانيا بلا عقل استراتيجي: لماذا نحتاج إلى مجلس أعلى لصون السيادة؟(الحلقة الثالثة)
يقوم هذا المجلس، الذي نقترح إنشاءه والتصديق عليه ضمن مخرجات الحوار الوطني المرتقب، بدور محوري يهدف إلى خلق تجارب ناجحة في مجالات متعددة، وبناء رصيد وطني يمكن الاعتماد عليه لتأسيس صيرورة مستدامة للنجاح. كما يسعى إلى حماية النسيج الاجتماعي وتعزيز الجبهة الداخلية، من خلال بلورة منظومة فكرية قادرة على التغلغل في مؤسسات الدولة، بوصفها إطارًا احترازيًا يؤسس للتراكم ويمنع التشتت.
ويهدف المجلس كذلك إلى حشد القوة الوطنية وتوجيه الجهد العام نحو تجميع طاقات البلد، في سبيل تحقيق النصر على التخلف، عبر تشخيص مظاهره ومعالجته في مختلف المجالات. ويشمل ذلك تعميم التعليم، واستدعاء مخزون البلد من التراث، واستثمار ما يزخر به من عناصر القوة الكامنة، من قيم الشكيمة والصبر وروح المبادرة والتنافس نحو التعلم، وهي القيم التي أسهمت تاريخيًا في حضور البلد ضمن التراث الإنساني، وفي صون حدوده وهويته.
إن الوطن اليوم بحاجة إلى دولة مركزية قوية، تدعم الإتقان والجدية، وتعزز روح العمل والإنتاج، وتدفع بالبلد في نسق متصاعد نحو تحقيق هذا الهدف. وهذا يقتضي تصورًا عمليًا شاملًا لتطوير التعليم وتقويته، وبناء الإنسان، واستثمار قدراته في مختلف مراحل حياته، مع الاستفادة من تجارب الأمم التي نجحت في تحقيق القوة والردع من خلال حسن استغلال مواردها البشرية والطبيعية.
كما أن بلدنا بحاجة إلى تجربة خاصة به، تنبع من واقعه، وتنسجم مع ظروفه، وتستوعب حقائقه، بدل استنساخ نماذج لا تلائم بنيته.
لقد أُهدرت خلال المسيرة الماضية طاقات هائلة وإمكانات كبيرة، نتيجة السياسات الارتجالية، وغياب الرؤية، وانعدام التصور الاستراتيجي. ومن هنا جاءت فكرة هذه الهيئة، بوصفها محاولة لتصحيح خلل بنيوي في مسار الدولة، من خلال رسم معالم واضحة للتطور، وتحديد مفهوم الأمن القومي، وتعريف عناصر القوة، وضبط المجال الحيوي والاستراتيجي، والتعامل الجاد مع القضايا الجوهرية والأسئلة الكبرى التي ينبغي أن تشكل محور اهتمام الدولة.
إن بناء الدول لا يتم إلا عبر التراكم، ولا يتحقق التراكم إلا بتجارب واعية ومؤسسات قادرة على تحويل الرؤية إلى واقع. وهذا المجلس المقترح ليس سوى أداة لتحقيق ذلك، ووضع البلد على سكة النهوض الحقيقي
المقترح الهيكلي لهذه البنية:
الاسم: المجلس الأعلى لصون السيادة وتحديث الدولة
1. الفلسفة الدستورية للمجلس
يُعرَّف هذا المجلس بوصفه “الحارس التاريخي للمشروع الوطني”، وهو سلطة مرجعية عليا لا تخضع للسلطة التنفيذية (الرئاسة) ولا للسلطة التشريعية (البرلمان)، بل تستمد شرعيتها مباشرة من الدستور، كمؤسسة سيادية دائمة، تستمد قوتها من نفاذ قراراتها ومن استمراريتها خارج تقلبات السلطة وتغير الحكومات يعمل المجلس على مراكمة تجارب ناجحة للبد من أجل خلق رصيد وصيرورة .
2. المهام والمسؤوليات (عصب التحديث)
يتولى المجلس طرح رؤية استراتيجية لتطوير البلد وبناء القوة والإشراف الحصري على الملفات التي تمثل “الأهداف الكبرى” للدولة، وهي:
• التحديث العسكري والأمني: وضع عقيدة دفاعية وطنية واضحة، وبناء قاعدة للتصنيع العسكري تضمن الحد الأدنى من الاستقلال الاستراتيجي.
• الأمن القومي الاستراتيجي: الإشراف على الاتفاقيات الدولية طويلة الأمد (الطاقة، المناجم، الموانئ) لضمان خضوعها لمصلحة الدولة العليا، لا للمقايضات السياسية الظرفية.
• الهوية والوحدة الوطنية: صياغة وتنفيذ استراتيجية حاسمة لمعالجة مخلفات الماضي (الرق، الفوارق الطبقية، إشكالات اللغة) خارج منطق الاستثمار الانتخابي.
• التحول العلمي والتكنولوجي: فرض نقل المعرفة وتوطينها، وتسريع رقمنة الدولة، وإدماج التكنولوجيا في مفاصل الإدارة والاقتصاد باعتبارها خيارًا سياديًا لا رجعة فيه.
يقوم المجلس بإعداد الخطة وتحويلها لرئيس الجمهورية ليعتمدها كاستراتيجية وطنية للبلد تمثل المرجع الأساسي لسياسات البلد بالنسبة للمشاريع الكبرى ويظل المجلس يتابع تنفيذ هذه الاستراتيجية خطوة بخطوة .
3. التشكيل والاستقلالية (الخروج من دوامة التعيين)
حتى لا يتحول المجلس إلى امتداد لمنظومة الولاءات، يُعتمد نظام صارم يضمن استقلاله:
• عضوية نوعية: يتكون المجلس من (15 عضوًا) يمثلون نخبة الكفاءة الوطنية (قادة عسكريون سابقون مشهود لهم بالكفاءة، خبراء استراتيجيا، فقهاء قانون، وخبراء تكنولوجيا واقتصاد وزراء أول رؤساء ).
• آلية الاختيار (الاستخلاف الذاتي): عند التأسيس، يتم اختيار الأعضاء وفق معايير دقيقة وآليات شفافة تضمن النزاهة والاستقلال وقوة الشخصية. وبعد ذلك، يعتمد المجلس نظام الاستخلاف، بحيث يتولى أعضاؤه اختيار الأعضاء الجدد عند شغور المقاعد، وفق معايير صارمة، دون أي تدخل من السلطة التنفيذية أو يتم اختيار أعضاء احتياطيين تلقائيين أثناء عملية بناء المجلس تحسبا لشغور المقعد .
• حصانة قوية: لا يجوز عزل أي عضو إلا في حالات استثنائية محددة (الخيانة العظمى أو العجز الصحي الكامل)، مع تحديد مدة عضوية طويلة (15 سنة) أو مدى الحياة، لضمان التحرر الكامل من الضغوط السياسية.
4. القوة القانونية (سلطة النقض الاستراتيجي)
• الفيتو الاستراتيجي: يمتلك المجلس حق النقض على أي قرار أو تشريع يمس بالأمن القومي أو يعطل مسار التحديث المحدد في “الرؤية الكبرى”.
• ضمان استمرارية الدولة: في حالات الأزمات أو الانتقال السياسي، يشكل المجلس المرجعية العليا الضامنة لاستمرارية الدولة وحماية مؤسساتها من الانهيار أو الفوضى.
5-طريقة عمل المجلس : يعمل المجلس بواسطة التعامل مع الخبراء المحليين والدوليين المشهود لهم بالمصداقية والاستقلالية ومكاتب الدراسات والبعثات إلى الدول حسب تطورها وتجربتها وإسقاط ذلك على الحالة الموريتانية حسب السياق والتوجهات .
6-طريقة إنشاء المجلس يتم إنشاء المجلس عبر مرحلتين الأولى اختيار لجنة تعيين عبر عرض الملفات التي تحدد لها معايير دقيقة وتعبر عن الصرامة والموثوقية وعند اختيارها من طرف المجلس الدستوري ويعهد إليها بعد ذلك اختيار أعضاء اللجنة العليا حسب آلية تحدد في النقاشات .
7-محاور "التحديث السريع" التي سيشرف عليها المجلس فور تأسيسه:
بمجرد قيام المجلس، يتم تفعيل ثلاثة برامج قومية كبرى (خارج صلاحية الحكومة):
* برنامج "الاكتفاء السيادي": استثمار عائدات الغاز والمعادن في بناء بنية تحتية علمية وصناعية (طاقة متجددة + تصنيع زراعي).
* أكاديمية القيادة والتحديث: اختيار أفضل 1000 عقل شاب موريتاني سنوياً وتدريبهم في أرقى مراكز العالم ليكونوا "جيش الإدارة والتكنولوجيا" في الدولة.
* ميثاق الوحدة العضوية: إنهاء الجدل العرقي واللغوي بقرار استراتيجي يطبق بالقانون والتعليم، ويُجرم استخدامه في السياسة وبناء الهوية الثقافية والحضارية للبلد واسترجاع البلد لمركزه الإشعاعيّ والعلمي والثقافي في المنطقة والعالم .
•الاستراتيجية الأمنية تحديد الخياران الكبرى لبناء الردع الموريتاني من خلال تحديد الأولويات ومسارات التحديات وحاجة المؤسسة الأمنية لوجستية وتكوينا .
تُعدّ هذه الهيئة مقترحًا عمليًا يمكن أن يشكّل قاعدة جادة للنقاش حول هذا الموضوع. غير أنّ فهمها يقتضي إدراك السياق السياسي الذي تنبثق منه. فالديمقراطية، وإن كانت خيارًا استراتيجيًا للبلد كما هي في بقية دول العالم، لا ينبغي أن تُستنسخ على مقاس الآخرين، بل يجب أن تُصاغ بما ينسجم مع حاجاتنا وخصوصياتنا.
لقد اتجهت دول عديدة إلى تكييف نظمها السياسية بما يخدم أهدافها الاستراتيجية؛ وينطبق ذلك على تجارب متعددة في فضاءات مختلفة، حيث جرى التوفيق بين الممارسة الديمقراطية ومتطلبات بناء القوة الوطنية مثل روسيا وتركيا وإيران ودرل شرق آسيا فاعتمدت مسارات تضمن الاستمرارية، وتحافظ على احترام الأطر القانونية، وفي الوقت ذاته تدعم الخط الاستراتيجي للدولة.
ومن هذا المنطلق، فإن بإمكان موريتانيا أن تسلك المسار ذاته، عبر ابتكار أدواتها الخاصة، وفي مقدمتها هذه الهيئة، التي يمكن أن تشكّل رافعة لبناء القوة، من خلال ترسيخ مبدأ الاستمرارية، وتعزيز التراكم، وتوجيه الجهد الوطني نحو تحقيق الأهداف الكبرى للدولة.
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار




