السبت
2026/03/28
آخر تحديث
السبت 28 مارس 2026

موريتانيا في مواجهة الأزمة: نحو مقاربة وطنية شاملة

منذ 1 دقيقة
موريتانيا في مواجهة الأزمة: نحو مقاربة وطنية شاملة
طباعة

موريتانيا ليست مثل الكثير من بلدان العالم فهي تستورد أغلب وسائل الحياة من الخارج ولاتعرف اكتفاءً ذاتيا إلا في اللحوم الحمراء والسمك واكتفاء جزئي في الأرز والخضروات إن تأثير الأزمة ستكون أكبر عليها من الدول الأخرى وذلك يتعين عليها اتباع خطوات حازمة استباقية .
إن الركيزة الأساسية في مواجهة الأزمات تكمن في الحفاظ على الهدوء، وتجنب الارتباك، واعتماد قرارات عقلانية متدرجة. وهذا تحديدًا ما انتهجته موريتانيا في تجاربها السابقة، خاصة خلال جائحة كورونا، حيث خاضت البلاد تجربة متميزة مكّنتها من الخروج بمؤسسات أكثر صلابة، بفضل التنسيق المحكم، وسرعة اتخاذ القرار، وفعالية المقاربة المعتمدة، والأهم من ذلك: تبني سياسات واقعية بعيدة عن الارتجال.
وقد كان المواطن شريكًا أساسيًا في هذا النجاح، إذ أظهر وعيًا عاليًا وانخراطًا إيجابيًا في تنفيذ توجيهات الدولة. ورغم المخاوف المشروعة حينها، فإن شفافية الإجراءات وطابعها العملي عززا الثقة، وجعلا المواطن يدرك أن تلك السياسات تصب في مصلحته العامة.
اليوم، تواجه البلاد تحديًا جديدًا يتمثل في أزمة اقتصادية عالمية متفاقمة، تفرض اعتماد سياسة تقشف رشيدة تضمن استقرار الأسعار واستمرارية الحياة اليومية. وفي هذا السياق، اتخذت الدولة خطوات لطمأنة المواطنين بشأن توفر المخزون الاستراتيجي من المواد الأساسية، بما يكفي لتجاوز المرحلة الراهنة. وقد عقدت الحكومة مؤتمراً صحفيا يوضح الأزمة وتداعياتها. وعقب ذلك، عقد رئيس أرباب العمل مؤتمراً أكثر وضوحا، مساهما بذلك في السكينة العامة بالنسبة لأسعار العلف والمواد الغذائية ،كما عقد ئيس الجمهورية لقاء مع الأحزاب لشرح الوضعية ، ويتوجب أن يتبعه بلقاء موسع مع الإعلام وخطاب موجه للشعب أكثر تفصيلا يتضمن مقاربة الدولة ووضعها الحالي بالنسبة للمواد الاستهلاكية والتوجيهات التي يجب اتباعها بالنسبة للدولة والشعب .
إن الغموض بشأن مدة الأزمة وتداعياتها يحتم الانتقال إلى خطة متوسطة الأمد تقوم على المحاور التالية:
أولاً: قطاع الطاقة (الترشيد والبدائل)
• ترشيد الإنارة العمومية: الشروع الفوري في تقليص الإنارة غير الضرورية، خاصة على الطرق الواقعة خارج النطاق الحضري.
• ضبط استخدام المركبات الحكومية: منع استعمال سيارات الدولة خارج أوقات العمل، لا سيما بعد الساعة الثامنة ليلاً، باستثناء القطاعات الحيوية (الأمن، الجيش، الصحة).
• تنظيم الحركة الليلية: دراسة فرض حظر تجول جزئي ابتداءً من منتصف الليل عندما يتم التأكد من أمد الأزمة .
• التحول الطاقوي: الاستثمار في الطاقة الشمسية عبر إنشاء “مشاتل طاقوية” لدعم الأسر، خصوصًا في تشغيل آبار المياه في المناطق الداخلية ولدعم الزراعة .
ثانيًا: الأمن الغذائي (الإنتاج بدل الاستيراد)
• إطلاق ثورة زراعية: تعبئة وطنية شاملة لدعم الإنتاج الزراعي على مستوى الولايات والقرى.
• تعزيز البنية التحتية المائية: توسيع شبكات المياه وحفر الآبار لدعم زراعة الحبوب والخضروات والأعلاف.
• توجيه قطاع الصيد: تخصيص جزء نصيب كبير من الصيد للاستهلاك المحلي، وتفعيل الشراكات الدولية لدعم هذا التوجه.
• تنمية الثروة الحيوانية: مضاعفة إنتاج الدواجن، وإنشاء مراكز لتسمين المواشي لتحقيق الاكتفاء الذاتي من اللحوم وضبط أسعارها .
ثالثًا: المسؤولية الاجتماعية للشركاء الاقتصاديين
يتعين على الشركات الكبرى العاملة في قطاع الموارد الطبيعية والصيد (مثل تازيازت ونحاس أكجوجت وشركات الصيد مثل شركة هوندونغ والاتحاد الأوروبي …) أن تضطلع بدور فاعل في هذه المرحلة إلى جنب الدولة، من خلال دعم البرامج الاجتماعية والاقتصادية فترة شد الأحزمة التي تتبناها الدولة ، باعتبارها استفادت سابقًا من بيئة الاستثمار في البلاد. إن هذه المساهمة ليست مجرد التزام أخلاقي، بل ركيزة من ركائز الشراكة المستدامة.
رابعًا: الجبهة الداخلية والضبط الإعلامي
• تعزيز الوعي الوطني: إطلاق حملات توعوية شاملة لترسيخ ثقافة التضامن والانضباط.
• تنظيم الفضاء الإعلامي: سنّ ضوابط قانونية صارمة لمكافحة الشائعات والمعلومات المضللة، مع ضمان التوازن بين الحرية والمسؤولية.
• بنية القيادة:
• الذراع التنفيذي لهذه العملية : القوات المسلحة، بما تتميز به من انضباط وقدرة على التعبئة والتنفيذ السريع والكلفة المنخفضة كما أنها نجحت من خلال مساهمتها في المهام المسندة إليها فترة كورونا .
• الذراع الحكومي: لجنة أزمة دائمة تضم وزراء القطاعات الحيوية (الصيد، الزراعة، التنمية الحيوانية، المياه، الطاقة، المالية، الاقتصاد،ومفوضية الأمن الغذائي وتآزر )، تحت إشراف الوزير الأول وبرئاسة رئيس الجمهورية.
• الإجراءات المصاحبة:
تعبئة سياسية وإعلامية ودينية شاملة، وتنظيم حوارات وطنية موسعة في الإعلام لدعم أهداف الخطة وتعزيز الالتفاف الشعبي حولها وتوحيد خطب الجمعة التي تتضمن توجيهات حاسمة بالنسبة للانخراط في خطة الدولة .
كما يجب على السياسيين والإعلاميين والخطباء والمدونين التوجه بطريقة إيجابية إلى بث روح المسؤولية ،والحث على الترشيد والقبول بإجابية بمقتضيات المرحلة والأمر الواقع .
إن نجاح هذه المقاربة لن يقتصر على تجاوز الأزمة فحسب، بل سيسهم في إعادة تشكيل سلوك المجتمع تجاه الاستهلاك، ويعزز روح المسؤولية الجماعية، كما سيقوي جسور الثقة بين المواطن والدولة. وفي نهاية المطاف، ستخرج موريتانيا أكثر صلابة، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات، بثقة وأمان.

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار