الجمعة
2026/04/24
آخر تحديث
الجمعة 24 أبريل 2026

اسنيم: من عبء الديون إلى الذراع السيادي المعدني للدولة الغير قابل للبيع

منذ 27 ثانية
اسنيم: من عبء الديون إلى الذراع السيادي المعدني للدولة (…)
طباعة

تمتلك الدولة اليوم قدرة تحمّل اقتصادية لافتة،تجلّت في مضاعفة ميزانيتها ثلاث مرات خلال ست سنوات من 450 مليار أوقية إلى 1,2 ترليون أوقية ، ومراجعة مستوى مديونيتها من 104% إلى نحو 40% خلال الفترة نفسها. كما تضخ استثمارات تُقدّر بـ500 مليار في المشاريع ذات الأولوية القصوى، سواء في الداخل أو في العاصمة.
وتُدعم هذه الديناميكية مستوى نمو وصل 4,8 2026 واحتياطي معتبر من الذهب يتجاوز طنين، إضافة إلى احتياط صافي من العملة الصعبة يزيد على 1,6 مليار دولار، مما يعزّز قدرة البلاد على تأمين وارداتها من المواد الأساسية. كما شهد قطاع الغاز قفزة نوعية؛ حيث ارتفعت نسبة الإنتاج عن السنة الماضية وزيادة الأسعار مدفوعة بارتفاع الأسعار العالمية.
وللمرة الأولى، تدير الدولة أزمة دولية اعتماداً على مواردها الذاتية ووضعيّتها المالية المريحة، مدعومة بثقة خارجية واضحة في قدرتها على تعبئة وحشد التمويلات. ففي أقل من شهر، أجرى الوزير الأول زيارة عمل رفيعة إلى الجزائر أسفرت عن تعهدات مهمة في مجالي الطاقة والتجارة، كما أعقبتها زيارة استراتيجية "عالية التصنيف" قام بها رئيس الجمهورية إلى فرنسا بدعوة من رئيسها لتعزيز التعاون الثنائي.
وعلى الصعيد الدولي، عززت موريتانيا حضورها؛ حيث تولّى رئيسها رئاسة الاتحاد الإفريقي بطلب وإصرار إفريقي ودعم عربي، كما أعلنت ترشحها لأربعة مناصب دولية رفيعة في الفضاءات المتوسطية، والعالمية، والإسلامية، محققة نجاحاً لافتاً في إحداها (البنك الإفريقي للتنمية) رغم محدودية نسبة مشاركتها في رأس ماله، ومتحصلة على دعم دولي كبير من دول مركزية في باقي المنظمات.
هذه الوضعية الإيجابية تدفع نحو تركيز الجهد على تطوير الأصول الوطنية، وفي مقدمتها المؤسسات الناجحة، وعلى رأسها الشركة الوطنية للصناعة والمناجم (اسنيم).
اسنيم: استعادة التوازن وبناء القوة
في ظل ما يُتداول من شائعات ينقصها دعم معطيات واقعية، فإن وضع الدولة -كما سبق ذكره- لا يدعم أي تفكير أو حاجة للتخلي عن "اسنيم" أو أي جزء منها. كما تؤكد المؤشرات الاقتصادية والميدانية أن الشركة تعيش إحدى أفضل مراحلها من حيث الاستقرار والنمو، وأن فكرة التفريط فيها تظل خارج سياق التوجه الوطني الحالي للدولة.
أولاً: تعافي المؤشرات الاقتصادية الكلية
• الاستقلال المالي: حيث نجحت الشركة في تصفير ديونها بالكامل، وانتقلت من مرحلة "إعادة جدولة الديون" إلى التمويل الذاتي لمشاريعها الكبرى.
ثانياً: ثورة الإنتاج وتطوير الأصول الاستراتيجية
شهدت السنوات الخمس الأخيرة تحولات نوعية أعادت للشركة زخمها الإنتاجي:
1. تصحيح الاختلالات الفنية: إعادة تأهيل مشروع "گلب 2"، ليرتفع إنتاجه من أقل من مليون طن إلى نحو 4 ملايين طن سنوياً الأمرالذي قفز بالإنتاج إلى 14,7 مليون طن السنة الماضية ورفع السقف نحو أكثر من 15 ملبون هذه السنة .
2. استعادة الموارد السيادية: استرجاع منجم "افديرك" الاستراتيجي، مع توقعات بإنتاج يصل إلى مليوني طن سنوياً، وإعداد دراسات لاستغلال معادن أخرى خلال السنوات القادمة.
3. تحديث البنية التحتية: ضخ استثمارات كبيرة في قطاعات الطاقة والميناء والسكة الحديدية لاستقبال السفن العملاقة، تمهيداً لرفع الإنتاج إلى 25 مليون طن كهدف مرحلي، وصولاً إلى 40 مليون طن مع دخول مشروعي "أطوماي" و"العوج" حيز الخدمة.
ثالثاً: رأس المال البشري
تبنت الشركة نهجاً يقوم على وضوح الرؤية ورسم أهداف واضحة وتحديد منهجية شفافة وثابتة في تسير جميع موارد الشركة بما في ذلك الموارد البشرية مما عزز الارتباط بالشركة ورفع مستوى الثقة في الادارة وقراراتها ، وجعلهم ركيزة هذا التحول بالمسارعة في كسب الرهانات ؛ حيث تم تحقيق الأهداف الإنتاجية لثلاث سنوات متتالية والاندماج بقوة في رفع التحديات بسواعد ومعنويات العمال العالية رغم التحديات. وبالتوازي مع ذلك، تتجه الشركة نحو شراكات قائمة على نقل التكنولوجيا وتعزيز القيمة المضافة، خاصة عبر مشاريع "تكوير الحديد" بدلاً من تصدير الخام فقط.
رابعاً: اسنيم كقاطرة للقطاعين المالي والمعدني
تشكل اسنيم أهم ركائز النظام المالي للدولة فعلى مواردها من العملة الصعبة يعول في تنظيم سوق الصرف واستقراره وعلى ودائعها في سندات الخزينة يعول في بناء السياسة النقدية وهو دور لايمكن أن تضطلع به إذا فرطت الدولة في السيطرة عليها.
معدنيا فإن اسنيم تستحوذ على أغلبية أسهم شركة العوج وهو ما يفتح الباب لبناء فاعل منجمي مهيإ لأن يكون بحجم اسنيم.
إن الوضع الذي وصلت إليه "اسنيم" جعل توجه الدولة لا يقتصر على الحفاظ عليها فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى:
• توسيع نطاق النشاط: منح الشركة رخصاً في مجالات معدنية متعددة لتتحول إلى قطب معدني متكامل.
• تعزيز السيادة الوطنية: بناء نموذج تشاركي تكون فيه الدولة في موقع القيادة، بما يعوض فترات سابقة من ضعف الحضور.
وخلاصة القول:
فإن شركة "اسنيم" تمر اليوم بمرحلة ثقة عالية بالنفس يمكن وصفها بـ**"العصر الذهبي"**، من حيث الاستقرار الإداري، النمو الإنتاجي، والمصداقية في الالتزامات، والقدرة على التحمل. ويؤكد المنطق الاقتصادي أن المؤسسات التي تُسدد ديونها وتحقق أرباحاً وتمتلك رؤية توسعية واضحة، ليست أصولاً قابلة للبيع،بل هي ركائز استراتيجية لا تُمسّ. ومن الموضوعي التأكيد، في هذا السياق، أن هذا النجاح تحقق بعاملين مرتبطين بالإرادة السياسية المرتبطة بالرئيس غزواني، وهما: تبنّي القرارات والتوجهات وحمايتها من جهة، وعزلها عن ضغوط وتجاذبات المصالح من جهة أخرى، وهي أمور دفعت بالوصول إلى هذه النتيجة. وهكذا يمكن الجزم، مرة أخرى، بأنها حصيلة أثمن من أن تُباع ، وأن هذا التوجه هو الشائع اليوم في البلد .

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار