الأحد
2026/03/8
آخر تحديث
الأحد 8 مارس 2026

عندما تضرب حرب بعيدة اقتصاداتنا.. تدق ساعة تحمّل المسؤوليات

8 مارس 2026 الساعة 13 و21 دقيقة
عندما تضرب حرب بعيدة اقتصاداتنا.. تدق ساعة تحمّل المسؤوليات
طباعة

نخن نعتبر الحرب الدائرة حاليا في الشرق الأوسط - من الناحية العسكرية - حربٌ محلية النطاق . غير أنّ عالما شديد الترابط ، يجعل آثارها الاقتصادية عالمية الامتداد . فالاضطرابات التي تُحدثها في أسواق الطاقة والنقل البحري والمواد الأولية ، تنعكس فورا على الاقتصادات الأكثر اعتمادا على الاستيراد . وهكذا ، وعلى نحوٍ مفارق ، قد تشعر بعض البلدان البعيدة عن مسرح العمليات بآثار اقتصادية أشد ثقلا من تلك التي تعيشها البلدان المنخرطة مباشرة في الصراع .

لنأخذ موريتانيا مثلا . انها ليست استثناءً من هذه القاعدة . فارتفاع أسعار الديزل والبنزين : يزيد كلفة النقل ، ويرفع أسعار المواد الغذائية ، ويضغط على القدرة الشرائية للأسر . وفي اقتصادٍ يشكّل فيه الوقود شريانا يغذّي مختلف الأنشطة - من النقل الحضري إلى التبادلات بين الجهات ؛ ومن الصيد إلى التجارة - تتحول زيادة أسعار الطاقة إلى هزة تعبر المجتمع بأكمله .

ماذا عسانا أن نفعل ؟ .

أمام مثل هذا الوضع ، يفرض سؤال نفسه : هل يمكننا الاستمرار في التصرف كما لو أنّ شيئا لم يتغير ؟ .
هل ينبغي أن ننتظر كل شيء من الدولة ، ثم نحمّلها - وحدها - كل مسؤولية ، كل الصعوبات ؟ ، أم ينبغي أن نعترف بأن فترات الاضطراب العالمي ، تقتضي تقاسم المسؤولية بين جميع الفاعلين في الوطن .

على المواطنين أن يتساءلوا عن دورهم : هل تسهم سلوكياتهم اليومية في تعزيز التضامن ، أم في تأجيج التوترات ؟ .

وعلى النخب أن تتساءل إن كانت مكانتها وتأثيرها يخدمان فعلا المصلحة العامة .
أما وسائل الإعلام ، فعليها أن تختار بين إنارة النقاش العمومي ، أو الانجرار وراء الشائعات والمزايدات .

غير أنّ هناك فاعلا أساسيا ، غالبا ما يغيب عن هذا النقاش . المؤسسات : نعم المؤسسات الاقتصادية ! .

قد ترى بعض الشركات أرباحها ترتفع - على نحو مفارق - خلال فترات الأزمات ، وهذا هو حال بعض الشركات العاملة في قطاع الذهب . فعندما تتصاعد حالة عدم اليقين على المستوى الدولي ، غالبا ما يرتفع سعر الذهب في الأسواق العالمية ؛ مما قد يتيح للشركات المستغلة لهذه الموارد ، تحقيق أرباح كبيرة . وقد يحدث الأمر ذاته مع شركات الاتصالات . ففي أوقات التوتر وعدم اليقين ، يزداد استخدام الهاتف والإنترنت بشكل ملحوظ : فالعائلات تسعى إلى البقاء على تواصل مستمر ، والمواطنون يتابعون جماعيا الأخبار ، والمؤسسات تكثف من اتصالاتها . وقد يترجم هذا النشاط المتزايد إلى عائدات إضافية .

هنا يبرز سؤال عن العدالة الاقتصادية : كيف يمكن توزيع الجهد الوطني عندما تتحمل غالبية السكان - بصورة مباشرة- وطأة ارتفاع كلفة المعيشة ؟ .

قد يكون من المشروع في هذا السياق ، فتح نقاش هادئ حول إقرار مساهمة تضامنية استثنائية . ففرض ضريبة مؤقتة على الأرباح الاستثنائية التي تحققها بعض القطاعات - ولا سيما قطاع استغلال الذهب أو الاتصالات - يمكن أن يساهم في تمويل إجراءات تهدف إلى التخفيف من آثار ارتفاع أسعار الوقود على الأسر ، وعلى الأنشطة الاقتصادية .

عندها ، لن تكون مثل هذه المساهمة عقوبة ، ولا تشكيكا في دور الشركات في تنمية البلاد ؛ بل ستكون على العكس ، تعبيرا عن تضامن اقتصادي ، في لحظة تواجه فيها الأمة بأسرها تحديات خارجية لا تملك السيطرة عليها .

إن أزمة عالمية تتطلب استجابة وطنية . ولن تكون هذه الاستجابة فعّالة ، إلا إذا قبل كل طرف -الموطنون والقيادات ووسائل الإعلام والشركات - أن يتحمّلوا نصيبهم من المسؤولية .

محمد محمد الحسن رئيس معهد مددراس
ومبادرة تبري موريتانيا 2029