السبت
2026/03/7
آخر تحديث
السبت 7 مارس 2026

موقفي من العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران

منذ 3 ساعة
موقفي من العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران
طباعة

في عالمٍ يمورُ بالتحولات المتسارعة، وتتبدل فيه موازين القوى مبشرة ـ أو منذرة ـ بتشكل عالم متعدد الأقطاب، يخطئ من يظن أن الجمود في المواقف يعدُّ ثباتاً على المبادئ. إن التمسك بالثوابت في المواقف، لا يعني ـ بأي حال من الأحوال ـ تجاهل المتغيرات السريعة التي تحدث أمام أعيننا؛ فالعالم يتغير بسرعة كبيرة، ويكفي أن نذكر في هذا المقام أن رئيس "أقوى دولة" قرر أن يلغي الأمم المتحدة بكل هيئاتها، ويستبدلها بواجهة تجارية سماها "مجلس السلام"، ولما أخذ مئات المليارات من دول الخليج باسم هذا المجلس، أشعل واحدة من أخطر الحروب، والتي سيكون المتضرر الأول منها هو دول الخليج التي أنفقت بسخاء حاتمي على "مجلس سلامه".
إن الحكمة تقتضي أن نراجع دائماً مواقفنا في عالم كهذا لم يعد يحكمه أي منطق، ومن هذا المنطلق، يأتي موقفي الشخصي "المركب" من العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
سأكون دائماً مع من يحارب العدو الصهيـ.وني
لقد كنتُ، ولا زلت، أنتقد التغلغل الإيراني في بعض الدول العربية، وكنتُ أرى فيه تهديدا للمنطقة، ولكن ذلك لن يمنعني من أن أقف اليوم مع إيران وهي تقصف بقوة العدو الصهيوني، وتقف وجها لوجه ـ وبكل شجاعة وثبات ـ أمام غطرسة وجنون الرئيس الأمريكي ترامب.
أقولها اليوم، وبدون مواربة: إني أدعم وبقوة إيران في حربها مع أمريكا والعدو الصهيوني، وكيف لا أدعمها وهي الدولة الوحيدة التي تضرب الآن الكيان الصهيوني بشراسة، في وقت رفعت فيه كل الدول العربية راية الاستلام، بل إن بعضها انخرط في تطبيع مذل؟
وهمُ الحماية الأمريكية
إن ما يجب أن يُدركه قادة الدول العربية والإسلامية، هو أن "القلب الأمريكي" ـ إن كان لأمريكا قلبٌ ـ لا يتسع إلا لحب واحد، وهو حب إسرائيل والدفاع عنها، وهذا الحب الأعمى لإسرائيل، هو الذي جعل ترامب يُبدل شعاره الانتخابي "أمريكا أولا" بـ "إسرائيل أولا"، وقديماً قالت العرب: "ومن الحب ما قتل"، وفي اعتقادي الشخصي أن حب أمريكا الجنوني لإسرائيل قاتلها، أو بعبارة أدق؛ سيكون سببا في تراجع قوتها ونفوذها.
على الدول العربية، وخاصة دول الخليج، أن تدرك أنها مهما أنفقت من الأموال على أمريكا، وحتى وإن احتضنت كل قواعدها العسكرية في الشرق الأوسط، فإن كل ذلك لن يمنع أمريكا من أن تضحي بتلك العلاقات إذا ما اقتضت مصلحة إسرائيل ذلك، ومن المؤكد أن مصلحة إسرائيل ستقتضي ذلك.
إن العقيدة الصهيـ.ونية تقوم على أنه "لا مكان لدولة قوية في المنطقة"، بغض النظر عن نظام حكمها؛ فإسرائيل ترى في أي نهضة عسكرية أو اقتصادية أو تقنية لأي دولة عربية أو إسلامية تهديدا وجوديا لها. هذه هي الحقيقة التي يجب أن تنتبه لها السعودية بالذات؛ فالدور الريادي الذي تطمح له المملكة العربية السعودية في المنطقة، لن يكون محل ترحيب أبدا، لا في تل أبيب ولا واشنطن.
أما بالنسبة للإمارات التي تتلقى اليوم أقوى هجوم من إيران، فعليها أن تأخذ الدروس والعبر من المصائب التي أتتها دفعة واحدة في الفترة الأخيرة (الخلاف مع السعودية ـ ملفات جيفري إبستين ـ تركيز الهجوم الإيراني عليها). على الإمارات أن تدرك أن الارتماء في أحضان العدو الصهـ.يوني لن يحميها، وأن قيادتها للتطبيع في المنطقة، وابتداعها للإبراهيمية لن يجلب لها خيرا ولا أمنا.
لا بد من تشكيل حلف عربي إسلامي
لم يعد تشكيل حلف عربي إسلامي في عالم مضطرب لا تحكمه أي قوانين ولا أي أعراف دولية مجرد خيار قابل للتأجيل، بل أصبح ضرورة بقاء بالنسبة للدول العربية والإسلامية الكبرى قبل الصغرى. ولتأسيس هذا الحلف، الذي من المهم أن تتشكل نواته الصلبة من (السعودية، وإيران، وتركيا، ومصر، وباكستان)، فلا بد من اتخاذ إجراءات ضابطة يتم التقيد ببعضها خلال الحرب المشتعلة حاليا، والتقيد ببعضها الآخر بعد انتهاء الحرب، وتتمثل هذه الضوابط في:
ـ على دول الخليج ألا تهاجم إيران مهما كان مسار الحرب الحالية؛
ـ على إيران أن تتوقف فورا عن توجيه ضربات إلى دول الخليج، وأن تركز في المرحلة القادمة على العدو الصهـ.يوني؛
عندما تتوقف الحرب، وبعد أن تكون دول الخليج قد تأكدت من أن الرهان على أمريكا لحمايتها كان رهانا خاسرا، فحينها يجب البدء في التمهيد لتشكيل الحلف من خلال اتخاذ الخطوات التالية لبناء الثقة:
ـ أن تعتذر الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن تدخلاتها السابقة في بعض الدول العربية، وأن تلتزم التزاما صريحا وقويا بالتخلي نهائيا عن أي وصاية على الشيعة خارج حدودها، وألا تعمل مستقبلا ـ تحت أي ظرف ـ على تحريك الشيعة في بعض البلدان العربية والإسلامية لتحقيق المزيد من المصالح والنفوذ خارج حدودها؛
ـ أن تُوقِف المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج منح الأموال الضخمة لترامب؛
ـ أن تقطع مصر وتركيا ـ وبشكل فوري ـ علاقاتهما الدبلوماسية مع العدو الصهيوني.
بكلمة واحدة: لقد ولى زمن الرهانات المنفردة، وبدأ زمن الأحلاف الكبرى، فهل يستوعب قادة الدول العربية والإسلامية الكبرى الدرس قبل فوات الأوان؟
موقف موريتانيا: الرسمي والشعبي
بصفتي مواطنا موريتانيا، أتفهم جيدا الموقف الرسمي لبلادنا المنحاز لدول الخليج؛ فدول الخليج لم نعرف منها في الماضي والحاضر إلا خيرا، وهي لم تقصر يوما في دعم حكوماتنا المتعاقبة، ولا في استقبال واحتضان جالياتنا. حتى الكويت التي وقفنا ضدها حكومة وشعبا بعد غزو العراق لها، لم تناصبنا العداء، بل استمرت في تقديم الدعم لحكوماتنا المتعاقبة. كل هذا يفرض على النظام أن يتخذ موقفا منحازا لدول الخليج، خاصة عندما تتلقى قصفا على أراضيها، مثلما يحدث الآن.
لكن، وفي المقابل، على الحكومة أن تتفهم كذلك موقف الشارع، أو موقف أغلبيته؛ فلا يمكن للشارع الموريتاني المناصر دائما وأبدا لفلسطين، إلا أن يدعم إيران في حربها الحالية ضد أمريكا والكيان الصهـ.يوني.
بكلمة واحدة: لا إشكالية في موقف رسمي داعم لدول الخليج، وموقف شعبي متعاطف مع إيران، وكل من الموقفين يكمل الآخر.

من صفحة محمد الأمين الفاضل