مع القرآن لفهم الحياة (الحلقة الثامنة)
العربية.. رسالة خالدة ولغة خلود القرآن
الدفاع عن مركزية اللغة العربية ليس رجوعًا إلى الماضي أو حنينًا إليه، بل هو وعيٌ حقيقي بأن اللغة التي حملت رسالةً كونية ما تزال قادرة على حمل مشروع معرفي جديد. العربية ليست مجرد كلمات وحروف، بل روح ورسالة؛ وفهمها واستعادة قيمتها مرتبط بالوعي بوحدتها التاريخية وبما حملته من رسالة للبشرية.
كل الدساتير وأنظمة الحكم قابلة للتغيير والزوال، ولكن هناك شيء واحد ثابت: كلام الله ودستور السماء. وطالما أن كلام الله أبدي، فإن العربية أبدية ملازمة له، حيثما سطع نور القرآن في البلاد التي دخلها.
حتى في بلدان حاولت استبدال حروف لغاتها وحذف العربية( 20) نتيجة الغزو اللغوي المبكر، يظل القرآن يُرتل باللسان العربي المبين ويكتب بحروفه الأصلية.
ومن ناحية أخرى، فإن انتشار الإسلام عالميًا يسهم تلقائيًا في انتشار مؤسسات التعليم للغة العربية، سواء في إفريقيا أو أوروبا أو أمريكا، وحتى في الصين الشعبية، حيث أعيد الاعتراف بتعليم العربية بجوار المساجد لتدريس الفقه والعلوم الإسلامية لأبناء المسلمين(21) كل ذلك يؤكد أن بقاء اللغة العربية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بفهم القرآن ونشر الإسلام.
القرآن كله عربي، كما تؤكد الآيات:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾(22)،
﴿ وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾(23)،
﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾(24).
ولو احتوى القرآن على لغة أخرى لكان مخالفًا لهذه الآيات، ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أرسل بلغة قومه.
ويكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد أرسل بغير لسان قومه، والقرآن يطلق على مجموعه وعلى جزء منه، فلو كان جزء منه غير عربي لما كان من القرآن، يقول: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُواْ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍۢ.}(25) فنفي أن يكون أعجميا(26).
وأما اشتمال القرآن على ألفاظ مأخوذة من اللغات الأخرى كاشتماله على لفظ "المشكاة" وهي لفظة هندية وقيل حبشية وهي الكوة، وعلى لفظ "القسطاس" وهي رومية ومعناها الميزان، وعلى لفظ الإستبرق" ومعناها الديباج الغليظ، وعلى لفظ (سجيل) ومعناها الحجر من الطين وهما لفظتان فارسيتان فإنه لا يكون بذالك مشتملا على كلمات غير عربية لأن هذه الألفاظ قد عربت فصارت معربة، فهو مشتمل على ألفاظ معربة لا على ألفاظ غير عربية. واللفظ المعرب عربي. كاللفظ الذي وضعته العرب سواء بسواء. والشعر الجاهلي قد اشتمل على ألفاظ من قبيل أن ينزل القرآن مثل كلمة (السجنجل) بمعنى المرآة في شعر امرئ ألقيس وغيرها من الكلمات عند كثير من شعراء الجاهلية. والعرب كانوا يعتبرون اللفظة المعربة عربية كاللفظة التي وضعوها سواء بسواء.
فالتعريب هو: صوغ لكلمة الأعجمية صياغة جديدة بالوزن والحروف حتى تصبح لفظة عربية في وزنها وحروفها.
فهذا القرآن إذن أنزل بلسان عربي مبين ولا مجال إلى فهمه إلا من حيث يفهم الكلام العربي فأساليبه عربية، ومفرداته عربية، وألفاظه عربية.(27).
اللغة العربية إذن ليست مجرد أداة للتواصل، بل قناة الرسالة الإلهية وفهم القرآن. وفهمها ضروري للحفاظ على الرسالة نفسها، ولنشر الإسلام ومعرفة علومه.
كما قال العلماء والمفسرون، ومنها رؤية أبو إسحاق الشاطبي، فإن فهم القرآن وبلوغ مقاصده مرتبط باللسان العربي الذي أنزل به.
وتأسيسا على هذا الكلام فإن اللغة العربية ليست لغة الماضي، بل لغة الخلود والمعرفة. ومن يعي ذلك ويفهم قوة لغته الأم، يكون قادرًا على إعادة بناء مشروعه المعرفي والحضاري، مستندًا إلى اللغة التي حملت رسالةً للعالمين منذ قرون، ولا تزال قادرة على حملها اليوم بكل وضوح وفاعلية.....
يتواصل....
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.
لمرابط ولد لخديم




