الثلاثاء
2026/06/2
آخر تحديث
الثلاثاء 2 يونيو 2026

من شعر حجيج أهل بلاد شنقيط

منذ 15 دقيقة
من شعر حجيج أهل بلاد شنقيط
إسلم بن السبتي - أستاذ بالمدرسة العليا للتعليم
طباعة

لأهل بلاد شنقيط رغبة جامحة في تأدية فريضة حج بيت الله الحرام، فعلى الرغم من بعد المسافة، كان الشناقطة يجمعون الأموال ويستعدون للرحيل لزيارة البيت الحرام والسلام على خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. وقد رحل الشناقطة فرادى وجماعات، وعرفوا بركب الحاج الشنقيطي في مشارق الأرض ومغاربها، وكان لهؤلاء أنشطة ثقافية تمثلت في قرض الشعر سواء قبل الوصول إلى الديار المقدسة أو بعد ذلك بقليل، وعن ذلك النشاط ظهرت مدونات شعرية، قصائد ومقطعات، وقد وقفت على نتف من ذلك فأردت أن أسجل بعضا منها في هذا العمل المتواضع.
وأول ما نقف عليه من ذلك ما قاله الشاعر محمد المبارك بن أحمد بن الحاج حمى الله حين سجل تلهفه لزيارة بيت الله الحرام مفصلا في الأماكن والمواقف التي يجب الوقوف عندها، من خلال لغة جزلة بسيطة، معبرة عن المقصود، حيث قال:
أَلاَ لَيْتَ شِعْرِي هَلْ لِرِابِغَ لمحــــــــــــــــــةٌ؟ وَكَانَ بِهَا غَسْلِي وَخَلْعِي ثِيَابَيَــــا
وَلَبْسِيَ نَعْلاً ثُمَّ بُرْدًا وَمِئْـــــــــــــــــــــــــــــــــــــزَرًا وَخَلْعِي كُلَّ مَا يُحِيطُ وَرَائِـــــــــــــــــــــــــــيَا
أُصَلِّي صَلاَةَ مُحْرِمًا وَمُلَبيًّــــــــــــــــــــــــــــــــــــا إِذَا عَلمٌ دُونَ البُيُوتِ بَدَا لِيَـــــــــــــــــــــا
وَغَسْلِي بِذِي طُوًى وَسَيريَ فِي كُدى هُوَ السُّؤَلُ وَالمُنَى وَنَيْلُ رَجَائِيَا
وَأَدْخُلُ مِنْ بَابِ السَّلاَمِ مُسَلِّـــــــــــــــــــــــــمًا عَلَى بَيْتِهِ الحَرَامِ وَهْوَ اسْتِلاَمِيَـــا
وَإِنِّي أَدُورُ بِالجِدَارِ مُقَبِّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلاً وَمُسْتَلِــــــمًا فِي كُلِّ ذَاكَ اليَمَانِيَـــا
أَقُومُ إِذًا خَلْفَ المُقَامُ بِشُفْعَــــــــــــــــــــــــــــــةٍ هِيَ المُنْيَةُ العُلْيَا لِأَهْلِ الأَمَانِيَـــا
وَأَدْعُو هُنَاكَ بِالمَــــــــــــــــــــــــــــقَامِ وزَمزَم وَمُلْتَزَمٍ وَقَدْ يُجَابُ دُعَــــــــــــــــــــــــــــــائِيَا
كَذَلِكَ سَعْيٌ بَيْنَ مــــــــــــرْوةَ والصَّـــــفَا بِسَبْعٍ وَمَا الـــــــــوُقُوف إِلاَّ ثَمَانِيَــــــا
وَأَسْعَى إَلَى مِنًى بِثَامِنِ شَهْــــــــــــــرِنَا كَذَلك المُطَوَّدُ المُـــــــعظَّمُ سَاعِيَـــــا
بِتِسْعٍ مُلَبِّيًا وَأَنْزِلُ عِنْــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدَهُ وَأَجْمَعُ للظُّهْريْنِ بَعْدَ اغْتِسَالِيَــــــا
وُقُوفًا بِأِصْلِهِ وَأَصْعَدُ فَوْقَــــــــــــــــــــــــــهُ وَأَدْعُو مُوَّاجِهًا إِلَى اللَّيْـــــــــــــلِ ثَاويَا
أَرُوحُ مُنَكِّبًا لِمُـــــــــــــــــــــــــــــــــزْدَلِفٍ وَقَدْ يَكُونُ بِهَا جَمْعٌ وَحَـــــــــــــــطِّي رِحَالِيَا
وَإِحْيَاءِ لَيلِي ثُمَّ تَغْلِيبِي رَحْـــــــــلَتِي وُقُوفًا بِمِشْعَرٍ إِلَى الضَّــــوْءِ دَاعِيـَــا
وَرَمْيِي عُقَيْبَةَ بِسَبْعِ حِجَـــــــــــــــــــارَةٍ وَنَحْرِي هَدْيي ثُمَّ طَوَافِــــــــــــــــــــــــــــــــــيَـــا
أَعُودُ إَلَى مِنًى أُهَلِّلُ عِنْـــــــــــــــدَهَا وَحَمْدًا وَتَكْبِيرًا ثَلاَثَ لَيَـــــــــــــــــــــــــــــلِيَــا
وَأَرْمِي ثَلاَثًا فِي ثَلاَثٍ بِسَبْــــــعَةٍ وَكُلٌّ عَلَى الإِفْرَادِ أَرْمِي حَصَائِيَا
وَإِنِّي أَنُوخُ فِي المُحَصَّبِ بَعْدَمَا وَكَانَ تَبَرُّكًا بِذَاكَ مَنَــــــــــــــــــــــــــــــــاخِيَا
وَأُحْرِمُ بِالتَّنْعِيمِ قَصْدًا لِعُمْـــــــــــــــرَةٍ وَأَفْعَلُ هَكَذَا وَتَمَّ مَرَامِـــــــــــــــــــــــــــــــــــيَا
وَأَسْأَلُ رَبَّ العَرْشِ عِلْمًا وَرَحْمَةً وَسِتْرًا وَغُفْرَانًا أَمَامَ حِسَابِــــــــــــــــــــيَا
وَصَلِّ عَلَى الهِادِي إلَهِي وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ طُرًّا هُبُوبَ الشَّمَالِيَا
وليس لأحد أن يزيد على ما قاله الشاعر هنا في رحلته بين المواقف التي عددها، فكان حديثه درسا لمن أرد تعلم مناسك الحج، وكيفية أدائها مسلسلا لها كما هو هدف الفقيه المعلم لها، جاء ذلك في يسر وبساطة وعرض طريف خال من التكلف، ثم أنهى النص بسؤال الرب، والصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن جميل شعر هذه الفترة ما وقفت عليه من مريد إلى شيخه يستشيره في الحج، ويطلب رأيه في ذلك، والمريد والشيخ من أكابر العلماء والشعراء، وهما: الشيخ سيدي المختار بن أحمد بن أبي بكر رضي الله عنه، ومعاوية بن إشدُّ التندغي، وذلك ضمن مشاعرة، أنهاها الشيخ سيد محمد برد على شيخه ضمن الوزن والقافية، ورغبة في الإيجاز، فإننا سنقتصر على بعض الأبيات من أشعار هؤلاء الفحول، ففي رسالة معاوية تتجلى الأبيات التالية:
قَدْ أَجَّجَ الشَّوْقُ فِي قَلْبِي وَلاَ خَلَدِي نَارًا تَعَاظَمُ عَنْ صَبْرِي وَعَنْ خَلَدِي
فَإِنَّنِي وَارِدٌ يَجْتَثُّنِي قُــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرْبٌ فَلاَ أُحَلَّأُ يَا شَيْخِي وَلَــــــــــــــــــــــــــــــــــمْ أَرِدِ
مِنْ فَيضِ سِرِّكَ مَا تَحْظَى بِهِ قَدَمِي وَمُقْلَتِي مِنْ ضَوَاحِي ذَلِكَ البَــــــــــــــــــــــــــــــلَدِ
وَمَا أَنَا بِالذِي تَرَاهُ مُعْتَـــــــــــــــــــــــــــــــرِضٌ وَمَا أَنَا لِلذِي تَشَاءُ لَــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمْ أَرِدِ
لَكِنَّ قَلْبِي قَدْ قَامَتْ قَيَامَتُــــــــــــــــــــــــــــــــهُ حِينَ أَثْنَيْتُ بِهِ عَنْهَا وَلَمْ أَفِـــــــــــــــــــــــــــــــــــــدِ
إِنَّ الأُمُورَ إَذَا ضَاقَتْ مَفَاتِحُــــــــــهَا فَإِنَّمَا فَتْحُهَا بِالغَوْثِ وَالـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوَتَدِ
لَيْسَ القَرَارُ لِمَنْ لَمْ يَشْفِ غُلَّتَـــــــهُ مِنْ زَوْرَةِ المُصْطَفَى فِي النَّأْيِ وَالبُعْدِ
وَلَمْ يَبِتْ بِسُتُورِ البَيْتِ مُعْتَلِـــــــــــــــقًا إِلاَّ القَرَارُ عَلَى زَأْرٍ مِنَ الأَسَـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدِ
إِنْ كَانَ لِي هَاهُنَا دُنْيَا وَآخِـــــــــرَةٌ وَفِي بِلاَدِي نَيْلُ المَالِ وَالـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوَلَدِ
فَإِنَّ لِي كَبِدًا حَرَّاءَ قَدْ عَلِـــــــــــــــــقَتَ بِبَيْتِ مَنْ هُوَّ لَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَلِــــــــــــــــــــــــــــــــــدِ
فأجابه الشيخ رضي الله عنه بأبيات في القافية والوزن، وهي هذه:
يَا رُبِّ مَنْ حَجَّ بَيْتَ اللهِ مُضْطَجِعًا عَلَى الوِسَادِ فَلَمْ يَظْمَأْ وَلَمْ يَــــــــــــــرِدِ
وَرُبَّ مَنْ حَجَّ حَجَّاتٍ وَلَيْسَ لَـــــــــــــهُ مِنْ حَجِّهِ غَيْرُ قَطْعِ البِيدِ وَالسَّــــهَدِ
وَلَسْتُ أُنْكِرُ فَرْضَ الحَجِّ إِنَّ لَــــــــــــهُ شَرْطًا يَقُومُ بِهِ مَنْ فَازَ بِالــــــــــــــــرَّشَدِ
وَإِنَّمَا الحَجُّ تَجْرِيدُ الأَدَاءِ عَـــــــــــــلَى وَجْهِ امْتِثَالِكَ قَولَ الوَاحِدِ الأَحَــــــــــــدِ
للهِ حَجٌّ عَلَى الأَنَامِ مُفْتَـــــــــــــــــــــرَضٌ عَلَى المُطِيقِينَ مِنْ قُرْبٍ وَمِنْ بُعْدِ
فَالقُرْبُ بِالسَّيْرِ لاَ بِالجِسْمِ تُدْرِكُــــهُ وَالشَّوْقُ للهِ لاَ لِلْمُعْتَدِّ الجَـــــــــــــــــــــمَدِ
وَلْتَعْبُدِ اللهَ حَيْثُ كُنْتَ يُرْشِدُكُــــــــمْ إِلَى الصَّوَابِ فَلاَ تَعْيَا بِمَا يَــــــــــــرِدِ
لَيْسَ لَنَا أَنْ نُرِيدَ مَعْ إِرَادَتِـــــــــــــــــــــهِ إِلَّا الذِي اخْتَارَهُ مِنْ غَيْرِ مَا حَرَد
تلك بعض من أبيات الشيخ الأكمل الأعم، الشيخ سيد المختار التي أراد بها توجيه مريديه متمثلا طلب معاوية ومرشدا له في حجه، فهي درر من التوجيهات يعطيها من عرف لا في أبياته هذه وحسب بل في مجمل تراثه بأدب النصح، والإشارة إلى المريدين بما ينفعهم في الدنيا والآخرة.
إن هذه الشهادة القائمة على النصح أقر بها وصدقها الابن الأبر والشيخ الأقر، الشيخ سيد محمد، حيث أثنى على رد والده ونصحه لمريديه بأبيات تسير في نفس المهيع، وتعتمد قافيتها ورويها، وهو جميل من أرباب اللسان العربي المتمكنين من رقابه، كل ذلك في حسن السبك وبلاغة اللسان يقول:
أَشْوَاقُ خَيْرِ الوَرَى فِي دَاخِلِ الخَلَدِ نَارُ الجَحِيمِ لَهَا نَوْعٌ مِنَ البَرَدِ
لِذَاكَ ذَابَتْ ذَوَاتُ الهَائِمِيـــــــــــــــــــــــنَ فَالجِسْمُ فِي سَهَدٍ وَالرُّوحُ فِي وَقَدِ
فَهُمْ نَشَاوَى سُلاَفُ الحُبِّ نَادَمَهُمْ سِرُّ الحَبِيبِ بِخَانِ القُرْبِ وَالمَدَدِ
فَكَانَ شَوْقَهُمُ عِرْضًا يُلاَزِمُهْـــــــــــــــــــمْ وَالشَّوْقُ فِي قُرْبِهِ كَالشَّوْقِ فِي البُعْدِ
فَمَنْ بِهِ رِقَّةٌ ذَابَتْ زُجَاجَتُـــــــــــــــــــــــهُ وَلاَ يَذُوبُ قَوِيُّ الشَّكْلِ ذُو الجَلَدِ
تَرَى الجِبَالَ بِعَيْنِ الرَّأْسِ تَحْسَبُهَا فِي المَرِّ جامدةً والسِّرِّ في الجَمَدِ
وأختم هذه العجالة بالأبيات الجميلة التي أنشأها الشيخ بن لبات بن أبنو مخاطبا لركب حجاج مدينة شنقيط رحمهم الله، ومتحدثا عن الروضة الشريفة حيث مرقد النبي محمد صلى عليه وسلم، وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، حيث يقول:
يا ركب بشراكم هذا شفيـــــــــــــــــعكم غدا وهذا أبو بكر وذا عـــــــــــــــــــمر
وهذه الروضة الغناء دانـــــــــــــــــــــــــية حيث النجاح وحيث يحمد السفر
أكرم بها روضة زهراء طيــــــــــــــــبة تزورها زمر من بعــــــــــــــــــــــــدها زمر
لما رأى بصري ما أسمعت أذني عنها تحاسد فيها السمع والبصر
إني استجرت بكم والمستجير بكم ينمى له الفوز والمطلوب والظفر
وخلاصة القول أن في هذه المدونة من المعاني، والصور الشعرية ما يركن إليه كل متتبع لتراث شعر الحجيج، ويتطلب بحثا وجمعا ودراسة من كل الدارسين الذين يتعلقون بشعر البلاد المقدسة.

إسلم بن السبتي - أستاذ بالمدرسة العليا للتعليم