رئيس معهد مدد راس: قضيتُ السنة الجامعية 82 - 1983 في مدينة ليون متفرغا كليا للدراسة
لم تكن المدينة تضم آنذاك طلبة موريتانيين ، ولا عائلات مهاجرة ، ولا تمثيلا دبلوماسيا لبلدي . فقط كان يُشار إلى وجود بعض العسكريين الموريتانيين فيها ؛ لكنني لم ألتقِ أيًّا منهم .
غادرتُ ليون وما التقيتُ خلال سنة ، سوى بمواطنٍ واحد ، كان نزيل المستشفى ، قادمًا من سانت إتيان ، يُدعى ي. ولد ر . غير أنّ هذه العزلة الظاهرة سرعان ما تبدّدت بفضل لقاءات حاسمة .
وكان هناك عيسى ؛ طالب فلسطيني يدرس في الطور الثالث ، (تخصص في الطب النووي ، كان أول جارٍ لي وأول صديق . وحول وجبات غذائية متواضعة ،( لكنها مثقلة بالذاكرة : مرمية ، زيت الزيتون ، الشاي ) تشكّلت صداقة بسيطة ومتينة .
كانت الحياة الطلابية في ليون قاسية . فمطاعم الجامعات كانت تُغلق في عطلة نهاية الأسبوع ؛ والأسعار في المدينة كانت فوق المستطاع . لم يكن عيسى يتقاضى منحة ؛ فاقتسمتُ معه منحتي كي نتمكن من العيش بكرامة .
كانت التضامنات الطلابية خلاصنا . مغاربة ، وسوريون من حلب ؛ كلٌّ قدّم ما استطاع . كان ذلك أحيانا على حساب جوعه . وقد انطبع هذا السخاء في ذاكرتي كإحدى أجمل دروس حياتي!.
أفضت هذه التفاعلات إلى إنشاء جمعية " الطلبة العرب في ليون" بمبادرة من الطلبة العراقيين . كنتُ الموريتاني الوحيد بينهم ؛ ومع ذلك ، عُيّنتُ رئيسا للجمعية .
عُقدت بعض الاجتماعات ، ودارت بعض النقاشات في إطار هذه الجمعية الفتية ، لكن سرعان ما تحولت الحوارات إلى حرب كلامية وأيديولوجية . فقد كانت المواجهات تدور بين طلبة بعثيين سوريين مقرّبين من نظام دمشق ، وطلبة عراقيين أنصارٍ لصدام حسين .
أدركتُ حينها أن إنشاء هذه الجمعية لم يكن يستند إلى أهداف ثقافية أو جامعية واضحة ، بل كانت في جوهرها ، ساحة صراع بين نسختين من أيديولوجيا واحدة ، تعكس نظامي سوريا والعراق . واقتناعا مني ، بعبثية هذا الصراع ، قررتُ الاستقالة من رئاسة الجمعية ، ومغادرة التنظيم .
أتاح لي هذا الانسحاب وقتا أكبر لي ولعيسى ؛ فكرّسناه لإشباع البصر والفكر في حديقة " تيت دور " ، متنفس المدينة وقلبها الأخضر . كنا نتوجه إليها كل يوم أحد ، حاملين كتبنا ودفاترنا لمراجعة امتحانات نهاية السنة .
كثيرا ما كنتُ أبتعد عنه . كان عيسى يواصل التجوال ، متأملًا الزهور والطيور وبحيرات الحديقة . أما أنا ، فكنتُ أجثو قليلا على مقربة من سياج ، خلفه تعيش بعض الماعز . ويا ما فاجأني عيسى في خلوتي ، فيعيدني إليه ضاحكا ومتعجبا، بعيدا عن "ماعزي" . ويا ما تكرّر المشهد !.
وفي أحد الأيام ، قلت ببساطة :
" يا عيسى ، حاول أن تفهمني . إن استنشاق رائحة الماعز ، ولمح قرونها أحبّ إليّ من كل أزهار هذه الحديقة وبحيراتها . هنا أبحث عن ماعز بلدي" !.
والتحقت في نهاية السنة الجامعية بباريس ، وأنا أحمل حنينا مزدوجا . لحق بي عيسى بعد ذلك ، وقضى معي بضعة أيام في الحيّ الجامعي بشارع جوردان .
توجهتُ -في باريس- إلى وزارة التعاون ، وخاطبتُ المسؤول عن ملفّي قائلا :
" إن شكري لكم هذا العام مضاعف ، إذ بفضل منحتكم استطعتُ على نحوٍ ما ، أن أمَوِّل -كمتعهّدٍ فرعي- دراسة طالبٍ فلسطيني في ليون .
ظل هو في ليون ، وأنا عدتُ إلى باريس" .
ابتسم بتواطؤٍ ودهاء حين سلّمته ملفّ الطالب الفلسطيني -عيسى- الذي كنتُ قد نصحته بتقديم طلب منحة مباشرة .
أخبرني عيسى لاحقًا أنه حصل على منحة من التعاون الفرنسي . ثم ، ومع مرور الوقت ، فقدتُ عنوانه وأثره ، على الرغم من التعلّق العميق الذي ظل يسكنني ، تجاه من أصبح بالنسبة إليّ ، أخًا وصديق دربٍ لا يُفارق ، خلال تلك السنة الاستثنائية .
محمد بن محمد الحسن
الرئيس المؤسس لمعهد مدد راس
5/01/2026



