السبت
2026/02/21
آخر تحديث
السبت 21 فبراير 2026

مع القرآن لفهم الحياة (الحلقة الثانية)

منذ 8 ساعة
مع القرآن لفهم الحياة (الحلقة الثانية)
طباعة

القرآن الكريم لم يُنزّل ليُتلى فحسب، بل ليُفهم ويُتدبّر ويُطبَّق. فقد كان الصحابة يتعلّمون عشر آيات، فلا يتجاوزونها حتى يفهموها ويعملوا بها، إدراكًا منهم أن القرآن منهج حياة، لا مجرد نصٍّ للبركة والتلاوة.
إنه كتابٌ إلهيٌّ شامل، يُقوّم اعوجاج الإنسان، ويرشده إلى وظيفته في الأرض خليفةً مسؤولًا، بمنهجٍ يجمع بين العقيدة والعلم والعمل، ويقدّم رؤية متكاملة للكون والحياة والإنسان.
في الآية المتقدمة آنفا قال تعالى:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾
وهي دعوةٌ صريحة لإحياء فقه التدبّر، لا الاكتفاء بظاهر التلاوة.
فالكون بآياته المنظورة يشهد بعظمة خالقه؛ نظامٌ محكم، وقوانين دقيقة، وسنن ثابتة لا تعرف العبث.
وإذا كانت آيات الكون تدعو العقول إلى الإقرار بعظمة الخالق، فكيف بالكلام المنزل منه، الذي يحمل نور الهداية ويخاطب الفطرة والعقل معًا؟
الإنسان مفطورٌ على التساؤل والبحث عن المعنى والغاية. ومن هنا جاءت هذه السلسلة محاولةً لإعادة القرآن إلى مركزه الطبيعي: مصدرًا لفهم الإنسان، والحياة، والكون، في عصرٍ تتكاثر فيه الأسئلة حول الوجود والمصير.
القرآن لا يخاطب فئةً دون أخرى، بل هو موجَّه للفقيه والباحث والعالم والقارئ العادي على حدٍّ سواء.
وليس تفسيرًا تقليديًا فحسب، بل رؤية تجمع بين سنن الوحي وسنن الكون، وتربط بين الهداية الإيمانية والسنن العلمية، في انسجامٍ يعيد للإنسان توازنه بين العقل والإيمان.
لقد ذكر القرآن خلق الإنسان، وتسويته، ونفخ الروح فيه، وتحمله للأمانة، وتنوع الشعوب والثقافات كحتمية للنمو والتعارف، وهو خطاب يؤكد كرامة الإنسان ومسؤوليته في هذا الوجود.
في كتابَيَّ: «معرفة الله: دلائل الحقائق القرآنية والكونية» و«دين الفطرة:استنطاق الرياضيات والفيزياء بلغة إنسانية» سعيتُ إلى إبراز هذا المعنى، وربط النصّ القرآني بسنن الدلائل وسنن الخلائق، ورأيت أن القرآن ليس كتاب وعظٍ فحسب، بل مفتاح لفهم العالم وقوانينه، إلى جانب كونه هدايةً ورحمة.
إن الهدف من سلسلة «مع القرآن لفهم الحياة» هو تقريب المفاهيم لكل الفئات، وإحياء العلاقة الواعية مع القرآن، ليعود دستورًا حيًّا يُوجّه السلوك، ويصوغ الفكر، ويهدي المسيرة.
الإنسان كائنٌ مسؤول، مخيَّر في أفعاله، مُكرم بالعقل، قادرٌ على التفاعل مع سنن الله في الخلق.
ويتضمن القرآن تعاليم شاملة توجهه في العقيدة، والأخلاق، والتشريع، والسنن الكونية، وهو المعجزة الكبرى التي تحدّى الله بها الإنس والجن أن يأتوا بمثله!!
فما هو القرآن الكريم؟ وما الخصائص التي تبرهن على أنه من عند الله؟ وكيف قدّم إجابات عن تساؤلات كبرى حيّرت العقول عبر العصور؟
تلك هي الأسئلة التي ستكون محور الحلقات القادمة – بإذن الله – لنكتشف معًا كيف يقدّم القرآن رؤيةً للإنسان والكون تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتعيد للحياة معناها، وللعقل رسالته، وللقلب طمأنينته.

لمرابط ولد لخديم