الخميس
2026/02/19
آخر تحديث
الخميس 19 فبراير 2026

صراع الهوية والمتاجرة السياسية… قراءة في موازين التسامح وحقائق الواقع

منذ 13 ثانية
صراع الهوية والمتاجرة السياسية… قراءة في موازين التسامح (…)
طباعة

طالعنا مؤخراً مقالاً مشحوناً بلغة الوصم، ينطوي على حكمٍ مسبق وغير منصف، يرمي طيفاً واسعاً من الشعب الموريتاني بالعنصرية ومعاداة الحوار والوحدة الوطنية. والمفارقة أن هذا الطرح جاء في سياقٍ يدّعي التحدث باسم الأقلية وفق «منهجية توحي بالبراءة »، بينما تحيلنا مؤشرات عديدة بأن خلفيته أقرب إلى أجندة سياسية تتجاوز المطالب الحقوقية المشروعة نحو محاولة فرض تصورات لا تنسجم مع وجدان الأغلبية ولا مع معادلات الواقع.

إن كاتب المقال — وهو نائب رئيس حزب عريق يمارس السياسة منذ عقود — يعيب على غيره ما يمارسه هو؛ إذ يرفض الاعتراف بلغة الأغلبية واللغة الرسمية للبلاد، ويتمسك بلغة أجنبية بديلاً عنها، ثم يتهم الآخرين بـ«رفض الحوار». فأي حوار يُرتجى إذا كان منطلقه إنكار لغة الأرض ورمز السيادة؟ إن ميزان العقل والتسامح يقتضي أولاً التصالح مع الهوية الوطنية الجامعة، والتفاعل مع تحولات الزمن بوعيٍ سياسي متجدد.

لقد أغفل صاحب المقال الاطلاع المنصف على الوثيقة المرجعية للندوة التي نظمتها مكاتب الدراسات مؤخراً، وهي ندوة اتسمت بالانفتاح على مختلف الآراء، دون إملاءات أو وثائق ختامية مُعدّة سلفاً. وقد تضمنت الوثيقة ثمانية أبواب عالجت قضايا البلد بمنهجية علمية، وأكدت الاستعداد لحوار وطني شامل لمعالجة المظالم بروحٍ مسؤولة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: من هو الديمقراطي الحقيقي؟ أهو من يسعى إلى حلول عملية تتجاوز المشكلات، أم من يلوّح بالملفات في كل مناسبة، داخلياً وخارجياً، ليُبقي المجتمع في حالة استقطاب دائم؟

إننا — في مقاربتنا — لم نرفض يوماً مناقشة الملفات الحقوقية، بل دعمنا ذلك صراحة. غير أن ملف «الإرث الإنساني» عرف محطات معالجة متعددة بحضور شركاء دوليين، وشملت تسويات لجبر الضرر، وتعويضات، ومناشدات للصفح، وإجراءات برلمانية بالعفو، إضافة إلى مبادرات واقعية ورمزية ومؤسسية: استقبال المهجرين، بناء مرافق عمومية، إدماج متضررين، ومنح قطع أرضية اعتراف الروساء …. والسؤال اليوم: هل المطلوب استكمال مسار داخل مؤسسات الدولة بروح توافقية، أم إبقاء الملف أداة ضغط سياسي تُستحضر كلما طُرح مشروع وطني جاد أو استُحقاق انتخابي؟

الواقع يشير إلى أن قلة من الفاعلين السياسيين ما تزال أسيرة خطابٍ تأجيجي لا يخدم التعافي الوطني. وينسحب ذلك على قضية اللغات الوطنية؛ فموريتانيا ليست استثناءً في محيطها الإفريقي. ففي السنغال ومالي تتعدد اللغات المحلية، لكنها لا تُزاحم اللغة الجامعة في موقعها الدستوري، بينما تبقى لغات الإدارة الحديثة في دول كثيرة لغاتٍ ذات منشأ أجنبي بحكم التاريخ الاستعماري. فلماذا يُصوَّر الأمر في موريتانيا وكأنه صراع صفري بين هوية جامعة وحقوق ثقافية يمكن صونها ضمن إطار وطني متوازن؟

لقد عاش هذا البلد أكثر من ألف عام من التعايش والتثاقف، وكانت العربية وعاءً ثقافياً وروحياً جامعاً لمختلف مكوناته، دون أن يُلغي ذلك حضور اللغات الوطنية الأخرى في الفضاء الاجتماعي والثقافي. والوئام الحقيقي يقتضي صيانة هذا التوازن: دعم الحقوق المشروعة بلا تردد، ورفض منطق المغالبة أو شيطنة الأغلبية تحت لافتاتٍ براقة.

إن الإرهاب الفكري، في زمن التجارب المقارنة والإحصاءات المتاحة، لم يعد وسيلةً لحماية حقٍ ولا لانتزاعه؛ بل يهدد بتوسيع الشروخ وإضعاف الثقة. ومن المؤسف أن يصدر عن سياسي مخضرم توصيفٌ لخصومه بأحكامٍ لا تخدم الحوار ولا حرية الاختلاف، فنقع — ويا للمفارقة — في تجسيد المثل العربي: «رمتني بدائها وانسلت».

إن الطريق الأسلم هو حوارٌ وطني صادق، يُوازن بين الثوابت الدستورية والحقوق الثقافية، ويُغلّب منطق الدولة على منطق المنابر، حتى نُحصّن وحدتنا من الاستقطاب، ونحوّل تنوعنا إلى مصدر قوة لا مادةً للمتاجرة.

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار