الملعب الأولمبي بنواكشوط.. مسرح الحياة وتقلبات الزمن!
ليس الملعب الأولمبي بنواكشوط مجرد فضاء لممارسة الرياضة، بل هو مرآة اجتماعية وفلسفية تعكس أحوال المجتمع وتقلبات الحياة، ومسرح مفتوح تتجسد فيه قصص الصعود والنجاح، ثم التراجع والنسيان.
ففي مدرجاته ودوائره المختلفة تجتمع وجوه من شتى المواقع والطبقات الاجتماعية: وزراء ومديرون، وضباط ورجال أعمال، وموظفون وحراس، بل وأناس لا تربطهم وظيفة أو مكانة اجتماعية محددة.
وكل واحد منهم يحمل قصة ومسارا من مسارات الحياة.
ويمكن النظر إلى هذه الدوائر باعتبارها محطات رمزية في رحلة الإنسان مع الزمن والمنصب والجاه. ففي الدائرة الأولى قد تجد مسؤولا ساميا يحرص على الحضور متخفيا، خشية أن تلتف حوله الجموع وتتنافس على التقرب منه. ثم ينتقل إلى الدائرة الثانية بعد إقالته أو إحالته إلى التقاعد؛ فلا يعود بحاجة إلى التخفي، لكنه يكتشف أن الأنظار التي كانت تلاحقه قد انصرفت عنه، بل إن بعض الذين كانوا يتسابقون إليه أصبحوا يتحاشونه!
ثم قد يعود إلى الواجهة من جديد، بتعيينه في منصب آخر أو استعادة الاعتبار له، فيجد الجموع تتكالب عليه مجددا، وكأن شيئا لم يحدث.
وينسى هو، كما ينسى الآخرون، ما جرى بالأمس، في مجتمع يبدو أحيانا بلا ذاكرة، ولا يعتبر بما تكشفه الأيام من تقلبات. ويستمر هذا المشهد إلى أن يبلغ محطته الأخيرة، حيث يدخل الدائرة الرابعة بلا عودة، ويغادر مسرح الحياة إلى مثواه الأخير.
إنها صورة مكثفة لتقلبات الدنيا، وتبدل المصالح، وهشاشة كثير من العلاقات التي تُبنى على المنصب والجاه لا على المحبة والوفاء.
وحين يولد الإنسان، يجد نفسه داخل بيئة ثقافية واجتماعية تشكل تفكيره وسلوكه وطموحاته، وتورثه منظومة متكاملة من العادات والتقاليد والأعراف والخبرات والمعارف. غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الموروثات إلى قيود تعطل التفكير والتجديد، فنصبح أسرى لما ألفناه، بدل أن نمارس النقد والاجتهاد ونواكب تحولات العصر.
ومن أبرز مظاهر الخلل في مجتمعنا اليوم غلبة ثقافة الاستهلاك على ثقافة الإنتاج؛ فقد أصبح جمع المال واقتناء أحدث السيارات والهواتف والتنافس في المظاهر الكمالية أهدافا في حد ذاتها، بينما تراجع الاهتمام بالاستثمار في المعرفة، وبناء المؤسسات، وإنتاج الأفكار وصناعة المستقبل.
نحن نستهلك منتجات الحداثة دون أن نتبنى بالضرورة العقلية الإنتاجية التي صنعتها، وما زلنا نحمل في وجداننا كثيرا من أنماط حياة «لفريگ»، وإن تغيرت الخيام من الشعر والوبر إلى الإسمنت.
وتتجلى المفارقة أكثر حين نقارن واقعنا بما أنجزه أجدادنا؛ فقد كانوا، رغم محدودية الوسائل والإمكانات، يتنافسون في اقتناء المخطوطات ونسخها ونشرها، ويتراسلون مع العلماء، ويرتحلون طلبا للعلم والمعرفة.
أما نحن، وقد أصبحت الطباعة والنشر والترجمة في متناول أيدينا، فما زلنا نفتقر إلى مؤسسات معرفية راسخة ومشروعات نشر مستدامة.
فالوفاء الحقيقي للأجداد لا يكون بتكرار اجتهاداتهم أو الوقوف عند حدود ما أنجزوه، وإنما بمواصلة رسالتهم العلمية بروح العصر؛ لأن تغير الزمان والمكان يقتضي تجديد الوسائل وتطوير الاجتهادات.
وإذا أردنا أن ننفذ إلى العلة الكامنة وراء كثير من اختلالاتنا الاجتماعية، فعلينا أن نتجاوز المظاهر إلى الذات الإنسانية، وأن نتأمل الصراع الدائم داخل الإنسان بين غرائزه التي تشده إلى الأرض، وخصائصه العقلية والروحية والأخلاقية التي تدفعه نحو آفاق الحق والخير والجمال.
ويمكن التعبير عن هذا الصراع في معادلة رمزية:
العقل + القلب = البطن + الفرج.
والمقصود بها أن سلوك الإنسان وموقفه من الحياة يتحددان إلى حد بعيد بمدى توازن القوى المتصارعة في داخله؛ فهناك نوازع وغرائز دنيا تشده إلى أسفل، وخصائص كريمة تدفعه إلى أعلى.
فإذا كانت قوة العقل والقلب، بما يحملانه من قيم ومعانٍ إنسانية، أرجح من قوة الغرائز والشهوات، ارتقى الإنسان نحو الحق والخير والجمال. وإذا تعادلت القوتان، عطلت إحداهما أثر الأخرى، وبقي الإنسان أسير التردد والمراوحة. أما إذا غلبت الغرائز وضعفت القيم، أخلد الإنسان إلى الأرض واتبع هواه، وانحط سلوكه بقدر ما استسلم لنوازعه.
ومن هنا فإن بلوغ الكمال الإنساني ليس أمرا تلقائيا، بل يحتاج إلى مجاهدة علمية وخلقية، وإلى تربية مستمرة للنفس والعقل والوجدان.
فالكريم لا يكون كريما إلا إذا قهر نوازع الشح والبخل، والشجاع لا يكون شجاعا إلا إذا هزم بواعث الخوف والجبن. وبالمثل، لا يكون العادل عادلا إلا إذا قاوم إغراء المصلحة، ولا يكون الأمين أمينا إلا إذا انتصر على دوافع الخيانة.
وهذه الصفات ليست مجرد شعارات أو أوصاف نظرية، بل تتجسد في أقوالنا وأفعالنا، شبابا وشيبا، حكاما ومحكومين، مثقفين وأميين.
وأعتقد أن أحد أسباب إخفاق كثير من الدراسات الاجتماعية التي تناولت مجتمعنا هو أنها ركزت على الظواهر والمؤشرات الخارجية، وأغفلت أو لم تمنح ما يكفي من الاهتمام لهذه العوامل النفسية والأخلاقية العميقة التي تتحكم في سلوك الأفراد والجماعات.
فنحن هنا لا نبحث عن مظاهر الخلل فحسب، وإنما نحاول الوصول إلى العلة الكامنة في الذات الإنسانية؛ لأن معالجة الأسباب كفيلة بتغيير النتائج، أما الاكتفاء بمعالجة الظواهر، مع ترك أسبابها قائمة، فلن يؤدي إلا إلى عودتها بأشكال وصور مختلفة.
إن ذلك يشبه من يوجه أطنانا من المبيدات إلى البعوض، دون أن يفطن إلى ضرورة تجفيف المستنقع الذي يحتضن بيوضه؛ فلا تلبث أن تفقس من جديد، وتعود المشكلة من حيث بدأت.
ومن هنا تبرز أهمية محاسبة النفس ومراجعة السلوك؛ فكما أن لكل مشروع حسابا لأرباحه وخسائره، ينبغي للإنسان أن يحاسب نفسه على أقواله وأفعاله، وأن يتعرف على مواطن الصواب والخطأ في مسيرته.
وقد جعل الإسلام مراقبة الله أساسا لهذه المحاسبة، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.سورة: ق الآية[18].
فكثرة المواعظ والقوانين واللوائح لا تكفي وحدها للقضاء على الرشوة والفساد والمحسوبية، ما لم تتحول القيم إلى ضمير حي ورقابة داخلية تحكم تصرفات الإنسان حتى في غياب الرقيب.
فالإيمان الحقيقي لا يقتصر على أداء العبادات، وإنما تظهر آثاره في السلوك، واحترام حقوق الآخرين، والإخلاص في العمل، والعدل في المعاملة، والوفاء بالمسؤولية.
وكم من مسؤول كان بالأمس محط الأنظار، تتسابق الجموع إلى مجلسه، وتتنافس في التقرب منه، فإذا به اليوم، بعد مغادرة المنصب، يكتشف أن كثيرا من تلك العلاقات لم تكن سوى مصالح عابرة ارتبطت بموقعه لا بشخصه!
إنه درس بليغ في أن السلطة والجاه والشهرة ليست سوى أدوار مؤقتة على مسرح الحياة، وأن دوام الحال من المحال. فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تكمن في منصبه أو ثروته أو مكانته الاجتماعية، وإنما في أخلاقه، وصدق علاقاته، ونزاهة مواقفه، والأثر الطيب الذي يتركه في نفوس الناس.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بتمدين الإنسان قبل تشييد العمران، وبإصلاح الضمير قبل تكثير القوانين، وبالانتقال من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الإنتاج، ومن التفاخر بالمظاهر إلى الاعتزاز بالإنجاز، ومن تبرير الأخطاء إلى محاسبة النفس.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل نستطيع استعادة روح المبادرة والتحصيل المعرفي التي ميزت أجدادنا، وأن نمتلك مشروعا واضحا للحياة والإنتاج والإصلاح؟ أم سنظل أسرى الموروث حين يتحول إلى قيد، والهوى حين يصبح قائدا، والمظاهر حين تغدو غاية؛ نجمع الأموال ونستهلك منتجات الآخرين، ونتقلب بين دوائر الجاه والنسيان، ثم نغادر مسرح الحياة دون أن نترك أثرا يوازي ما استهلكناه من أعمارنا؟
فالملعب الأولمبي ليس مجرد مكان نمارس فيه الرياضة، بل مدرسة مفتوحة لتأمل الإنسان والمجتمع والزمن؛ حيث تتبدل المواقع، وتسقط الأقنعة، وتتغير الوجوه، ويبقى الأثر وحده شاهدا على حقيقة الإنسان.
لمرابط ولد لخديم




