رسالة مفتوحة إلى معالي وزيرة الصيد: إصلاح قطاع الصيد بين تعقيدات الواقع وخطر فقدان البوصلة
رسالة مفتوحة إلى معالي وزيرة الصيد
الموضوع: إصلاح قطاع الصيد بين تعقيدات الواقع وخطر فقدان البوصلة
معالي الوزيرة المحترمة،
في ختام زيارتكم لمدينة نواذيبو، وما تخللها من لقاءات مع مختلف الفاعلين في قطاع الصيد، من أرباب عمل ومهنيين وعمال وممثلين عن مختلف التشكيلات القطاعية، نتوجه إليكم بهذه الرسالة المفتوحة، لا من باب التشكيك في النوايا، وإنما من باب المصارحة والنصح، انطلاقاً من قناعة بأن إصلاح هذا القطاع الحيوي لا يمكن أن يتحقق بمجرد الاستماع إلى المطالب، أو تقديم التعهدات، أو بناء شبكة علاقات مع الفاعلين فيه، مهما كانت أهمية تلك اللقاءات.
إن قطاع الصيد اليوم يعيش واقعاً معقداً تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع النفوذ المهني والإداري، وتتشابك فيه الاختصاصات والمسؤوليات، في ظل تأثير مجموعات ضغط ولوبيات تسعى إلى توجيه النقاش والقرارات نحو مصالحها الخاصة، فضلاً عن ضعف الأداء الإداري وغياب التنسيق الفعال بين مختلف المصالح المعنية.
وفي مثل هذه البيئة، يصبح خطر فقدان بوصلة الإصلاح قائماً منذ البداية، خصوصاً عندما تتحول اللقاءات القطاعية إلى مناسبة لتقديم المطالب الفردية وانتزاع الوعود، بدلاً من أن تكون فرصة لتشخيص الاختلالات البنيوية ووضع حلول مؤسسية عادلة وقابلة للتنفيذ.
معالي الوزيرة،
نعتقد أن أمامكم ثلاثة تحديات أساسية لا ينبغي التقليل من تأثيرها:
أولاً: محدودية الإلمام المسبق بتعقيدات القطاع.
فالصيد قطاع تقني واقتصادي واجتماعي بالغ التعقيد، تتعارض داخله المصالح والمطالب، ولا تكفي لإدارته المقاربة الإدارية العامة وحدها. وإذا لم تكن لديكم تجربة سابقة كافية في التعامل مع خصوصياته وتناقضاته، فإن تجاوز هذا النقص يقتضي الاعتماد على الكفاءات الفنية المستقلة، والمعطيات الميدانية الدقيقة، لا الاكتفاء بما يقدمه أصحاب المصالح من روايات وتصورات.
ثانياً: الحاجز اللغوي والتواصلي مع القاعدة المهنية للقطاع.
إن اقتصار تواصلكم المباشر على اللغة الفرنسية يمثل تحدياً حقيقياً في قطاع تشكل قاعدته العريضة من البحارة والعمال والمهنيين الذين لا يستخدمون هذه اللغة في حياتهم اليومية أو في ممارسة أنشطتهم المهنية.
ولا يتعلق الأمر هنا بمسألة لغوية أو ثقافية في حد ذاتها، وإنما بقدرة المسؤول على الوصول المباشر إلى واقع القطاع، وفهم مشكلات العاملين فيه، واستيعاب تفاصيل ممارساتهم المهنية، بعيداً عن روايات الوسطاء وأصحاب المصالح.
فالاعتماد الدائم على الترجمة ونقل المعلومات عبر أطراف أخرى قد يجعل الصورة التي تصل إليكم انتقائية أو غير مكتملة، خصوصاً في قطاع تتشابك فيه المصالح وتتفاوت فيه القدرة على الوصول إلى مراكز القرار.
ومن هنا، فإن تجاوز هذا العائق لا يتطلب بالضرورة إتقان لغة بعينها، بقدر ما يستدعي إنشاء قنوات تواصل ميدانية موثوقة ومستقلة، تضمن الاستماع الفعلي إلى العمال والبحارة وصغار المهنيين، وفهم مطالبهم دون تحريف أو انتقاء أو وصاية من الجهات الأكثر نفوذاً.
ثالثاً: خطر الارتهان لشبكات المصالح.
وهذا، في تقديرنا، هو التحدي الأخطر الذي برزت مؤشرات تستدعي الانتباه إليه خلال الزيارة؛ إذ إن توسيع العلاقات مع أرباب العمل وممثلي التنظيمات وأصحاب المصالح، إذا لم تحكمه مسافة مؤسسية واضحة ومعايير شفافة، قد يجعل الوزارة أسيرة لروايات ومطالب الأطراف الأكثر نفوذاً، على حساب الفئات الأقل قدرة على الوصول إلى مراكز القرار.
والنتيجة المحتملة ليست مجرد تعثر الإصلاح، بل الانتكاس وتفاقم الاختلالات القائمة.
ولذلك، فإن نصيحتنا لكم هي ألا تستنزفوا وقتكم وجهدكم في التعهد لكل مجموعة أو شخص على حدة بحل مشكلاته، ولا تجعلوا نجاح الزيارة يقاس بعدد اللقاءات أو الوعود.
فالقطاع لا يحتاج إلى وزيرة تتولى بنفسها حل كل مشكلة، وإنما إلى وزارة تمتلك رؤية إصلاحية واضحة، وإدارات مسؤولة، وآليات تنفيذ ومساءلة ونتائج قابلة للقياس.
سبع أولويات لإصلاح واقعي ومستدام
1. تأهيل وتطوير البنية التحتية المينائية
إعطاء الأولوية لتأهيل ميناء الصيد التقليدي بنواذيبو، وتعزيز جاهزية منشآت تانيت وانجاكو، وفق احتياجات كل موقع ووظيفته الاقتصادية، مع التركيز على أرصفة الرسو والتفريغ، والسلامة، والصيانة، والتزويد بالماء والكهرباء، ومرافق الثلج والتبريد، وشبكات الصرف ومعالجة المخلفات.
وينبغي أن تستند الاستثمارات إلى تقييم فني للاحتياجات الفعلية، وخطة تشغيل وصيانة مستدامة، حتى لا تتحول المنشآت إلى استثمارات مكلفة محدودة الأثر.
2. تعزيز الرقابة والتفتيش البحري ومكافحة الصيد غير القانوني
رفع كفاءة الرقابة البحرية والتفتيش في البحر والموانئ ونقاط الإنزال، وتعزيز الوسائل البشرية والتقنية اللازمة لمكافحة الصيد غير القانوني وغير المصرح به وغير المنظم، بما في ذلك الممارسات المعروفة محلياً بـ«الكزرة»، والصيد الجائر، والتجاوزات المتعلقة بمناطق الصيد والأحجام المسموح بها ومواسم الراحة البيولوجية.
ويتطلب ذلك تنسيقاً فعالاً بين الجهات المختصة، وتفعيل أنظمة تتبع السفن، وتوثيق المخالفات، وتطبيق العقوبات بعدالة وشفافية، دون انتقائية أو تأثير من أصحاب النفوذ.
3. ضمان تفريغ المنتوج السمكي في ظروف تحفظ جودته
وضع معايير ملزمة لمناولة الأسماك وحفظها منذ لحظة الصيد وحتى التفريغ والنقل والتسويق، بما يضمن سلامتها وصلاحيتها للاستهلاك البشري.
ويشمل ذلك توفير الثلج وسلسلة التبريد، وتحسين ظروف النظافة والمناولة، وتعزيز التفتيش الصحي والبيطري، والحد من التلف والهدر، وتشجيع توجيه الأسماك الصالحة للاستهلاك البشري نحو الأسواق والتصنيع الغذائي ذي القيمة المضافة، بدلاً من ضياع قيمتها الاقتصادية والغذائية نتيجة سوء الحفظ أو الاستخدام غير الأمثل.
4. حماية تموين السوق الوطنية بالأسماك الموجهة للاستهلاك المحلي
وضع آلية تنظيمية تضمن توفير الأصناف السمكية التي يعتمد عليها المستهلك الموريتاني بكميات منتظمة وأسعار معقولة، مع دراسة تخصيص جزء محدد من إنتاج هذه الأصناف للسوق الوطنية، وفق ضوابط قانونية واقتصادية واضحة.
ويجب أن تمنع هذه الآلية تحويل الكميات المخصصة للاستهلاك المحلي إلى قنوات التصدير أو الاستخدامات الصناعية الأخرى، وأن تعتمد على تتبع الكميات والأسعار والتوزيع، دون الإضرار غير المبرر باستدامة الموارد أو بحقوق الفاعلين الاقتصاديين.
فالأمن الغذائي للمواطن ينبغي أن يكون أولوية حقيقية، لا مجرد شعار.
5. إنهاء شخصنة تسيير القطاع وتركيز الحلول في مكتب الوزيرة
ليس من الطبيعي ولا من المجدي أن تتحول كل مشكلة مهنية أو إدارية إلى ملف ينتظر تدخلاً مباشراً من الوزيرة.
فذلك يضعف الإدارات، ويعطل المسؤوليات، ويشجع الوساطة والعلاقات الشخصية، ويستنزف وقت القيادة السياسية في التفاصيل اليومية على حساب التخطيط والرقابة والتقييم.
والمطلوب هو إعادة الاعتبار للاختصاصات القانونية للإدارات والمؤسسات التابعة للوزارة، وتحديد المسؤوليات بوضوح، ومنح المسؤولين الصلاحيات اللازمة مقابل إخضاعهم للمساءلة عن النتائج.
6. إعداد خطط إصلاح قطاعية تشاركية ومحددة الآجال
تكليف كل إدارة ومؤسسة تابعة للوزارة، في نطاق اختصاصها، بإعداد خطة إصلاح عملية تتضمن تشخيص المشكلات، وأسبابها، والحلول المقترحة، والموارد المطلوبة، والجهات المسؤولة عن التنفيذ، ومؤشرات الأداء، والجدول الزمني.
ويجب إعداد هذه الخطط بالتشاور المنظم مع المهنيين والعمال والفنيين والخبراء المستقلين، مع ضمان تمثيل مختلف الفئات، وعدم احتكار المشاورات من طرف التنظيمات الأكثر نفوذاً.
ثم تُجمع الخطط في برنامج إصلاحي موحد، يُعتمد على المستوى الوزاري، ويخضع لمتابعة دورية وشفافة.
7. إنشاء آلية فنية مستقلة نسبياً للمتابعة والتقييم
تشكيل لجنة أو هيئة فنية للمتابعة والتقييم، ذات اختصاص واضح، تضم كفاءات في الصيد والاقتصاد البحري والإدارة والرقابة والتخطيط، مع ضمان تجنب تضارب المصالح.
وتتولى هذه الآلية متابعة تنفيذ خطط الإصلاح، وقياس النتائج بمؤشرات موضوعية، ورصد التأخر والانحرافات، ورفع تقارير دورية إلى الوزيرة، تتضمن التوصيات والإجراءات التصحيحية.
ومن الضروري أن تكون تقارير التقدم الأساسية متاحة للفاعلين والرأي العام، حتى لا يبقى الإصلاح مجرد إعلان نوايا أو وعود غير قابلة للتحقق.
كلمة أخيرة
معالي الوزيرة،
إن نجاحكم لن يتحدد بمدى رضا أرباب العمل أو ممثلي التنظيمات أو أصحاب المطالب الفردية، وإنما بقدرتكم على بناء إدارة فعالة، وحماية الموارد البحرية، وتحسين ظروف العمل والإنتاج، وضمان استفادة الاقتصاد الوطني والمواطن من ثروته السمكية.
والإصلاح الحقيقي قد يقتضي اتخاذ قرارات لا ترضي بعض أصحاب المصالح، لكنه لا يمكن أن ينجح إذا أصبح رهينة لتلك المصالح أو خاضعاً لمنطق التسويات الفردية.
إذا كانت لديكم إرادة صادقة للإصلاح، فالأجدى توجيه الجهد نحو بناء منظومة مؤسسية تعمل وفق خطة واضحة، بدل الانشغال بإدارة المطالب اليومية وتقديم الوعود لكل طرف على حدة.
هذه الرسالة ليست حكماً مسبقاً على تجربتكم، وإنما تحذير مبكر من مسار قد يفضي إلى نتائج معاكسة لما تتطلعون إليه، ومساهمة مسؤولة في نقاش يستحق أن يكون صريحاً وشفافاً.
نتمنى لكم التوفيق والسداد في خدمة قطاع الصيد، وصون ثروتنا البحرية، وتحقيق المصلحة العامة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الاتحادية العامة للصيد (FGP




