ماذا لو كنت وزيرا؟
في العادة، يأتي الوزراء ويذهبون دون أن يعرفوا، في كثير من الأحيان، الأسباب الحقيقية التي أدت إلى تعيينهم أو إقالتهم. وغالبا ما يكون التعيين منّة من أحد، أو نتيجة اقتراح من جماعة، أو استجابة لضغط قبلي أو سياسي أو جهوي، أو ثمرة لضربة حظ في ضوء التوازنات، وربما اختيارا لا يستند مرات إلى معايير مفهومة .
فلا توجد آلية واضحة ومرجعية ثابتة تضمن أن تكون الكفاءة والقدرة على الإنجاز في مقدمة معايير اختيار الوزراء، إلا في حالات قليلة. وحتى أولئك لا يملكون امتيازات في الوقت الذي سيمضونه، فمتوسط البقاء في بعض القطاعات قد لا يصل لسنة مع تكرار التعديلات. وهكذا يظل منصب الوزير امتيازا ، لا انتدابا لمهمة كبيرة تتطلب الارادة الصلبة ومراكمة الخبرة والكفاءة المشهودة .
إن هذا الوضع يجعل الوزير أقل ثقة في موقعه وفي قدرته على إجراء إصلاحات جوهرية، وأقل تركيزا على النتائج، وأكثر انشغالا بخدمة الرئيس والنظام والجهة التي اقترحته لهذا المنصب، أو بمحاولة المحافظة على موقعه وإرضاء الأطراف التي قد تؤثر في بقائه.
وهكذا يجد الوزير نفسه تحت ضغوط سياسية ونفسية كبيرة، تجعله في البداية يتجاهل مبدأ كيف يمكنه تقديم نتائج من قطاع لا يعرف كيف يعمل ولا يعرف حجم الكفاءات ولا موقعها في القطاع ،ثم بعد ذلك يجد نفسه منهمكا مباشرة في دوامة التسيير اليومي ومتابعة الأعمال المتراكمة لينضم إلى قطار في المسير ، قبل أن تتاح له فرصة فهم القطاع الذي أُسندت إليه مسؤوليته، وتشخيص مشكلاته، ووضع رؤية لإصلاحه وهكذا ينجح القلائل في مهماتهم !
فماذا لو كنت وزيرا؟
إن مهمتي الأولى ستكون توصيل الحق لأصحابه :
– تمكين الكفاءات من المواقع المناسبة
– تنظيم الوقت واستغلاله في خدمة القطاع
– ترشيد الموارد وصرفها في ما حددت لأجله
وهكذا تكون البداية بمعرفة طبيعة القطاع الذي أُسندت إليّ مسؤوليته، والدور الذي أُنشئ من أجله، وما الذي حققه منذ نشأته، وإلى أي مدى استطاع الوفاء بالمهام الموكلة إليه.
ثم سأقيّم الأدوات التي يعتمد عليها في تحقيق أهدافه، سواء تعلق الأمر بالموارد البشرية أو الإمكانات اللوجستية والمالية، وسأتحقق من آليات العمل، ومدى ملاءمتها للمهام المطلوبة، وأبحث عن مواطن الخلل التي تحول دون تحقيق النتائج المرجوة.
فليس من المنطقي أن نطالب قطاعا بالإنجاز قبل أن نعرف ما يمتلكه من إمكانات، وكيف تُستخدم تلك الإمكانات، وأين تكمن مواطن الضعف في تنظيمه وأدائه.
بعد ذلك، سأبحث عن الطريقة التي يمكنني من خلالها أن أضيف إضافة حقيقية وعميقة إلى أداء القطاع، لا أن أكتفي بمواصلة ما كان قائما، أو بإجراء تغييرات شكلية لا تمس جوهر المشكلة.
إن الأمر يتطلب، في البداية، خطة عمل للشهر الأول، أخصصها للتعرف على العاملين في القطاع، وزيارة أماكن عملهم، والتحدث إليهم بصورة شخصية ومباشرة، والاستماع إلى آرائهم بشأن ظروف عملهم وشروطه، والصعوبات التي تواجههم، وطبيعة تعاملهم مع شركائهم في العمل وهكذا يتعين علي الوقوف في كل ركن من المكاتب والقاعات إلى الحمامات إلى المقهى .
وسيمكنني ذلك من التعرف على الطاقم البشري، واكتشاف الكفاءات، وفهم طبيعة العمل اليومي، والتعرف على المقر وظروف العمل فيه ، ومدى ملاءمة بيئة العمل للمهام التي يؤديها الموظفون وعلى طبيعة المقر ونظافته وجاهزيته وسأكرر العملية .
فالإصلاح لا يبدأ من المكتب الوزاري وحده، بل يبدأ من معرفة الواقع كما هو، والاستماع إلى من يعيشونه يوميا، قبل اتخاذ القرارات بشأنهم.
بعد ذلك، سأضع خطة عملي، القائمة على تحديد استراتيجية واضحة للقطاع، وتنظيمه وفق آليات عمل وديناميكية وظيفية مفهومة لدى جميع العاملين.
ومن خلال طريقة العمل نفسها، ستتاح لي فرصة التعرف على الكفاءات الحقيقية، والتمييز بين من ينجز عمله بكفاءة ومثابرة، ومن تعوقه ظروف موضوعية، ومن يتقاعس عن أداء واجبه رغم توافر الإمكانات اللازمة.
إن الهدف النهائي هو وضع إطار صلب ومنظم لعمل القطاع، يحدد المسؤوليات، ويوضح الصلاحيات، ويضبط آليات التنفيذ، ويضمن أداء المهام الموكلة إليه على الوجه المطلوب.
الإجراءات التنظيمية
القرار الأول: الوزارة مكان للعمل .
إن الوزارة مؤسسة عمومية أُنشئت لخدمة المواطنين وتنفيذ السياسات العامة، وليست فضاء للزيارات الاجتماعية أو الانشغالات الشخصية بالهواتف . ولذلك، ينبغي أن تكون الأولوية داخلها للعمل والإنجاز.
وبناء على ذلك، سأعمل على منع استخدام الهواتف الشخصية داخل الوزارة، بحيث تبقى خارج مكاتب العمل خلال ساعات الدوام، وتوفير هواتف أرضية للاتصالات الداخلية، وهواتف مهنية من دون تصوير ولا إنترنت مخصصة للاتصالات الخارجية عند الحاجة.
ويمكن أن يشكل هذا الإجراء وسيلة للحد من التشتت، والرفع من التركيز والإنتاجية، وضمان احترام وقت العمل، وضمان سرية البيانات ووثائق القطاع.
القرار الثاني: حترام أوقات الدوام ودون أي تساهل
فالثامنة يكون كل موظف في مكانه بما في ذلك الوزير اي تساهل في ذلك يعد بداية الفشل في المهمة وستكون هناك نظام عند المدخل يضبط تلك العملية عند بداية ونهاية الدوام
القرار الثالث : تنظيم مراجعات المواطنين
ستُحدد أيام المراجعات في يومين من الأسبوع بصورة منتظمة، بما يسمح بتنظيم استقبال المواطنين، مع مراعاة الحالات المستعجلة والضرورات التي تستدعي تدخلا خارج هذه المواعيد.
وعند مدخل الوزارة، سيُخصص مكتب مزود بنظام لتسجيل بيانات المواطن المراجع، ورقم هاتفه، والجهة التي يريد مراجعتها، والغرض من مراجعته. وبعد التسجيل، يُمنح رقما خاصا بالاستدعاء، يظهر على الشاشة في قاعة الانتظار العامة عندما يصبح الموظف المعني جاهزا لاستقباله ويطبق هذا الإجراء على الجميع بما في ذلك النواب والنافذين .
وحتى أصحاب المواعيد المسبقة، سيخضعون لنظام التسجيل نفسه، بما يضمن ضبط حركة المراجعين، ومعرفة الجهات التي يقصدونها، وتجنب الفوضى والازدحام داخل المكاتب والممرات.
ولن يقتصر دور هذا النظام على تنظيم الاستقبال، بل ستخضع بياناته للمراجعة والتدقيق شهريا، بهدف معرفة الملفات التي لم تُسوَّ وضعيات أصحابها، والأسباب التي أدت إلى ذلك، وعدد المراجعات التي قام بها كل مواطن، والجهات المسؤولة عن التأخير.
ومن خلال هذه البيانات، يمكن تحديد مواطن الخلل، والتمييز بين التأخير الناتج عن نقص الوثائق أو تعقيد الإجراءات، والتأخير الناتج عن تقاعس الموظفين أو ضعف التنظيم.
وبذلك، يصبح تنظيم المراجعات وسيلة لتحسين الخدمة العامة، وأداة للرقابة على الأداء، بدلا من أن يكون مجرد إجراء إداري شكلي.
القرار الثالث: احترام مكان العمل والمحافظة على هيبته.
إن مكان العمل فضاء عمومي محترم، يؤدي فيه الموظف واجبا كُلِّف به، ويتحمل بموجبه مسؤولية تجاه الدولة والمواطنين.
وعليه، فإن السلوك الذي يمنح هذه المهمة الهيبة اللازمة، ويعزز الثقة في الإدارة، أمر ضروري للحفاظ على النظام والنظافة واحترام الآخرين، والابتعاد عن الفوضى والممارسات التي تسيء إلى صورة المرفق العام.
وبذلك ينبغي أن تظل المكاتب والممرات منظمة ونظيفة، وأن تبقى الممرات خالية بصورة دائمة من العوائق، وألا تتحول أماكن العمل إلى فضاءات للاجتماعات غير الضرورية أو التجمعات التي تعطل مصالح الموظفين والمراجعين.
القرار الرابع: تحديد المسؤولية عن تنظيم المقر.
سيكون تنظيم المقر، وتنظيم وضبط الزيارات والسهر على تطبيق هذه الإجراءات، وضمان النظافة والأمن والانضباط، من اختصاص المدير الإداري والمالي،Je الذي يتولى مسؤولية تسيير المقر ومتابعة احتياجاته، ويُحاسب على مدى احترام هذه المعايير.
آلية العمل: ميزانية الوزارة لعمل الوزارة
إن ميزانية الوزارة ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي وسيلة لتمكينها من أداء المهام التي أُنشئت من أجلها. ولذلك، يجب أن تُوجَّه الموارد المالية إلى تلبية احتياجات العمل الفعلية، وأن يرتبط الإنفاق بالأهداف والنتائج، لا بمجرد استهلاك الاعتمادات المرصودة.
أولا: توفير الأدوات والشروط اللازمة للعمل.
لا يمكن مطالبة الموظف بالإنجاز إذا لم تتوافر له الأدوات والوسائل الضرورية. ولذلك، ستكون الأولوية لتوفير الشروط المادية واللوجستية التي تسمح لكل موظف بأداء مهمته، مع التأكد من أن الموارد المتاحة تُستخدم في الأغراض التي خُصصت لها.
ثانيا: تحديد الصلاحيات وتمكين الموظفين من ممارستها.
يجب أن تكون صلاحيات كل موظف محددة بوضوح، وأن يُمكَّن من ممارستها بأفضل طريقة ممكنة، دون أن يضطر إلى إحالة كل إجراء، مهما كانت طبيعته، إلى المسؤول الأعلى منه.
مساء
ومن خلال ذلك، ستظهر ملاحظات كل موظف وتأشيراته على الملفات التي تمر عبر اختصاصه، بما يجعل مسار معالجة الملفات واضحا، ويحدد مسؤولية كل طرف عن القرار الذي اتخذه أو الملاحظة التي أبداها.
وهذه الطريقة ستتيح لي اكتشاف الكفاءات من خلال العمل الفعلي، لا من خلال الانطباعات الشخصية أو التوصيات أو العلاقات. فالموظف الكفء هو الذي تثبت كفاءته من خلال جودة عمله، وسلامة قراراته، واحترامه للآجال، وقدرته على حل المشكلات.
ثالثا: تحديد آجال معالجة الملفات وربط الترقية بالإنجاز.
ستُحدد آجال واضحة لمعالجة الملفات وتسوية المعاملات، ولن يُسمح بتراكمها دون مبرر.
كما ستُعتمد معايير موضوعية لتقييم الأداء، تُكافئ النجاح والمثابرة وجودة العمل، ويُؤخذ بها في الترقية والتعيين في المسؤوليات، في إطار القوانين والنظم المعمول بها.
ولن أسمح بالتدخلات غير المشروعة في شؤون موظفي القطاع، أو بالتأثير في قرارات التعيين والترقية والعقوبة خارج الضوابط المهنية والقانونية.
فالوزارة التي لا تحمي موظفيها من التدخلات، ولا تكافئ المجتهد، ولا تحاسب المقصر، لا يمكن أن تبني إدارة فعالة، مهما كانت كفاءة الوزير أو قوة إرادته.
القرار الخامس: تصفية المتأخرات.
سيكون هدفي خلال الشهر الأول ألا يبقى في الوزارة عمل متراكم دون معالجة، وألا تبقى مستحقات متأخرة دون تسوية أو تحديد واضح لأسباب تعذر تسويتها.
ولتحقيق ذلك، سأجري جردا شاملا للملفات والأعمال والمستحقات المتراكمة، مع تحديد المسؤول عن كل ملف، والمدة التي استغرقها، والإجراء المطلوب لإنهائه.
وسأعمل على تسوية الملفات التي يمكن إنجازها فورا، وتحديد آجال ملزمة للملفات التي تتطلب إجراءات إضافية، مع توثيق أسباب التأخير في الحالات التي يتعذر فيها الإنجاز خلال الشهر الأول.
فالمقصود ليس إغلاق الملفات شكليا، وإنما إنهاء الأعمال المستحقة فعليا، وإعادة الإدارة إلى وضع يسمح لها بالتعامل مع الملفات الجديدة دون أن تظل أسيرة تراكمات الماضي.
القرار السادس: لامركزية التسيير.
ستكون لامركزية التسيير أحد المبادئ الأساسية في تنظيم الوزارة.
فكل قطاع داخل الوزارة سيكون مسؤولا عن تنظيم طاقمه، وتوزيع المهام، وتسيير الموارد المخصصة له في حدود الصلاحيات والاعتمادات الممنوحة، وتحمل مسؤولية النتائج التي يحققها.
إن تركيز جميع القرارات في مكتب الوزير يؤدي إلى إبطاء العمل، ويضعف روح المبادرة، ويجعل المسؤولين ينتظرون التعليمات حتى في المسائل التي تدخل ضمن اختصاصاتهم.
أما توزيع الصلاحيات، مع تحديد المسؤوليات وآليات الرقابة، فيسمح بتسريع الإنجاز، ويكشف قدرة كل مسؤول على التسيير واتخاذ القرار.
وفي إطار هذه الخطة، سيبقى باب الوزير مفتوحا أمام معاونيه، للاستماع إلى ملاحظاتهم، ومناقشة المشكلات التي تعترض العمل، وتقديم المقترحات التي تساعد على تحسين الأداء بدل ان يظل مفتوحا للسياسيين والإعلاميين والنواب والأقارب والنافذين .
فالمقصود من اللامركزية ليس الابتعاد عن العاملين، وإنما تمكينهم من أداء مهامهم باستقلالية مسؤولة، مع إبقاء قنوات التواصل والمساءلة مفتوحة.
القرار السابع: تحديد استراتيجية القطاع
خلال الشهر الثاني، أتوقع أن تكون الوزارة قد بدأت الانتظام في ديناميكية وظيفية واضحة، وأن تكون الملفات السابقة قد6 وجدت طريقها إلى المعالجة، وأن أكون قد تمكنت من التعرف على الكفاءات الموجودة داخل القطاع، وعلى مواطن القوة والضعف في تنظيمه وأدائه.
وعند هذه المرحلة، ستكون الأولوية لتحديد استراتيجية القطاع، انطلاقا من طبيعة المهام الموكلة إليه، والإمكانات المتاحة له، والمشكلات التي ينبغي أن يعالجها، والنتائج التي يُنتظر منه تحقيقها.
وستُحدد الأهداف وفق ترتيب الأولويات، مع وضع آجال للتنفيذ، وتعيين المسؤولين عن كل هدف، وتحديد الموارد اللازمة لتحقيقه، والوسائل التي ستُستخدم لقياس مدى التقدم في إنجازه.
فلا يمكن أن تعمل الوزارة بكفاءة إذا كانت جميع الملفات والقضايا تُعامل على الدرجة نفسها من الأهمية، أو إذا كانت الأنشطة اليومية تستهلك وقتها دون أن ترتبط بأهداف واضحة.
آلية المتابعة والتقييم الأسبوعي
في بداية كل أسبوع، سيكون هناك اجتماع تقييمي مع الوزير، عند الساعة الثامنة صباحا، لمراجعة ملفات الأسبوع الماضي، ومتابعة برنامج الأسبوع الجاري، ومناقشة المشكلات التي ظهرت أثناء التنفيذ، وتحديد العقبات التي تعترض العمل، وتقييم مدى التقدم في إنجاز المهام.
وسيكون الاجتماع مناسبة لمساءلة المسؤولين عن الالتزامات السابقة، ومعرفة ما تحقق منها، وما لم يتحقق، والأسباب التي أدت إلى ذلك، والإجراءات التي ينبغي اتخاذها لتجاوز العقبات.
وبذلك، لن يكون الاجتماع مجرد لقاء إداري لتبادل المعلومات، وإنما أداة عملية لمتابعة التنفيذ، وتصحيح الاختلالات في الوقت المناسب، وضمان استمرار العمل وفق الأهداف المحددة.
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار




