لگويره..
تقع لگويره في الطرف الجنوبي الغربي من شبه جزيرة رأس نواذيبو، قبالة مدينة نواذيبو، وخلال الحقبة الاستعمارية، كانت ضمن الصحراء الإسبانية، في حين خضع الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة لموريتانيا الفرنسية، وفق الحدود التي رسمتها الاتفاقيات الفرنسية الإسبانية مطلع القرن العشرين.
وبعد انسحاب إسبانيا من الصحراء سنة 1976، وتقاسم الإقليم بين موريتانيا والمغرب بموجب اتفاقية مدريد، كانت لگويره ضمن الجزء الذي تولت موريتانيا إدارته وهو إقليم وادي الذهب. واستمر الوجود العسكري الموريتاني في المنطقة بعد انسحاب موريتانيا من الجزء الذي كانت تديره من الصحراء الغربية سنة 1979.
ورغم ما أُثير أخيرًا من تكهنات وتأويلات، فإن الوقائع المعلنة، حتى 25 أكتوبر 2026، لا تثبت حدوث تغيير جديد في الوضع القائم، ولا صدور اتفاق رسمي بين نواكشوط والرباط بشأن نقل السيادة على لگويره أو إجراء مقايضة سياسية تتعلق بها. كما لا يظهر في المواقف الرسمية المعلنة ما يؤشر إلى نشوب نزاع حدودي جديد بين البلدين.
فما الذي حدث إذن؟ وما الذي حوّل لگويره من قضية ذات وضع عسكري وسياسي خاص، إلى محور سجال سياسي وإعلامي واسع؟
بدأت القضية مع تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الصحراء الغربية، الصادر في فاتح أكتوبر، الذي أشار إلى مقترح موريتاني لإنشاء آلية توافقية لتوضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم، غير أن التقرير لم ينص صراحة على أن موريتانيا تطالب بمدينة لگويره، ولم يشر إلى طلب نقل السيادة عليها.
وفي 18 أكتوبر، أثار تقرير لمجلة «جون آفريك» الفرنسية جدلًا واسعًا، بعدما تحدث عن سعي نواكشوط إلى الحصول على اعتراف بسيادتها على لگويره، رابطًا ذلك بمسار المفاوضات المتعلقة بالصحراء الغربية، لكن هذا الطرح لم يثبت، في حدود المعطيات المعلنة، بوصفه مطلبًا رسميًا صريحًا للحكومة الموريتانية.
وفي 21 أكتوبر، جاء تصريح الوزير الناطق باسم الحكومة، محمد ولد ببانه، ليؤكد أن موريتانيا لا توجد لديها خلافات مع دول الجوار، نافيا بشكل قاطع وجود أي مطالب مستحدثة لنواكشوط بشأن أراضٍ أو حدود شمالية (في إشارة إلى منطقة لگويره).
وأضاف أن توضيح الحدود لا يعني المطالبة بأراضٍ أو فتح نزاع جديد. كما شدد على متانة علاقات موريتانيا بجيرانها، وعلى تمسكها بالتسوية السلمية لقضية الصحراء الغربية تحت رعاية الأمم المتحدة.
وهكذا، فإن الثابت حتى الآن هو وجود مقترح موريتاني لتوضيح الحدود في إطار توافقي، يقابله نفي رسمي لأن يكون ذلك مقدمة للمطالبة بأراضٍ أو عقد صفقة لتبادل السيادة. أما ما عدا ذلك، فيظل في دائرة التحليلات والتكهنات ما لم تؤيده وثائق أو تصريحات رسمية واضحة.
ولا يمكن فهم الاهتمام الموريتاني بمستقبل لگويره بمعزل عن موقعها الجغرافي وحساسيتها الإستراتيجية؛ فهي تقع بالقرب من نواذيبو، العاصمة الاقتصادية للبلاد، بما تمثله من أهمية للميناء والتجارة والمصالح البحرية والأمن الإقليمي.
ومن الطبيعي، تبعًا لذلك، أن تتابع نواكشوط أي تطورات قد تترتب على التسوية المستقبلية لنزاع الصحراء الغربية، وأن تسعى إلى ضمان وضوح الحدود وصيانة مصالحها الحيوية. ويزداد هذا الاهتمام في ظل الحديث عن مشاريع تنموية وسياحية مغربية في المنطقة، وما قد تثيره من تساؤلات بشأن انعكاساتها المستقبلية على المصالح الموريتانية.
وقد طُرح، خلال مفاوضات مدريد في فبراير الماضي، مقترح موريتاني بإنشاء لجنة لتوضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للصحراء الغربية ضمن صيغة توافقية. لكن التقرير الأممي لم يذكر لگويره بالاسم، وهو ما يجعل الربط المباشر بين المقترح والمطالبة بالسيادة على المدينة استنتاجًا يحتاج إلى دليل إضافي.
ومن هنا، يبدو أن بعض القراءات الإعلامية انتقلت من مناقشة المخاوف الموريتانية المشروعة إلى افتراض وجود صفقة سياسية بين نواكشوط والرباط، من دون دليل معلن يثبت إبرام مثل هذه الصفقة.
وقبل أيام، حظيت تصريحات الدبلوماسي والسفير الجزائري السابق عمار بلاني بتفاعل إعلامي لافت، بعدما طرح تساؤلات بشأن احتمال وجود تفاهمات أو مقايضة غير معلنة بين المغرب وموريتانيا حول منطقة لگويره الإستراتيجية.
وبحسب قراءته، فإن التحركات الموريتانية الرامية إلى إنشاء لجنة مشتركة لتوضيح الحدود النهائية للصحراء الغربية ترتبط بهاجسين أساسيين.
أولهما، تأمين مدينة نواذيبو والحفاظ على استقرار محيطها الجغرافي المباشر، في ظل الحديث عن مشاريع تنموية وسياحية مغربية - إماراتية في لگويره.
وثانيهما، احتمال التوصل إلى صيغة تتيح لموريتانيا امتيازًا طويل الأمد في إدارة المنطقة أو الوجود فيها، مقابل اعترافات ترابية أو تفاهمات سياسية تضمن مصالح الطرفين. وقد استند بلاني في هذا الطرح إلى معلومات وصفها بأنها غير مؤكدة ومتداولة في أوساط دبلوماسية بنواكشوط.
ومهما تكن وجاهة هذه الفرضيات، فإنها تظل تحليلات منسوبة إلى صاحبها، ولا يجوز التعامل معها بوصفها حقائق ثابتة. فالفارق كبير بين وجود مصالح إستراتيجية تدفع دولة إلى التحرك، وبين إثبات أنها دخلت بالفعل في صفقة سرية لتحقيق تلك المصالح.
والأصل في مثل هذه القضايا أن تُوزن المعلومات بأدلتها، لا بمدى جاذبية السيناريوهات التي تُبنى عليها.
كما تزامن الجدل حول لگويره مع قيود مغربية على تصدير الطماطم إلى الأسواق الإفريقية، في سياق إجراءات تستهدف تخفيف الضغط على السوق المغربية، وقد انعكست هذه القيود على إمدادات الطماطم وأسعارها في الأسواق الموريتانية، لتتحول المسألة من قضية تجارية إلى مادة إضافية في السجال بين البلدين.
ولا شك أن ارتفاع أسعار المواد الأساسية يثير استياء المواطنين، وأن اعتماد السوق الموريتانية على مصادر خارجية يجعلها عرضة للتأثر بالقرارات التجارية التي تتخذها الدول المصدرة. ومن حق الموريتانيين أن يناقشوا هذه المسألة بجدية، وأن يطالبوا بسياسات تقلل هشاشة السوق وتعزز تنوع مصادر التموين والإنتاج المحلي.
لكن من الضروري التمييز بين الأثر الاقتصادي لقرار تجاري، وبين توظيف هذا الأثر في تأجيج الخلافات السياسية. فارتفاع أسعار الطماطم قد يكشف اختلالات في منظومة التموين، لكنه لا يثبت، في حد ذاته، وجود مؤامرة سياسية أو خطة مغربية لاستهداف موريتانيا.
كما أن تحويل الأزمة إلى مادة للتحريض المتبادل بين الشعبين الموريتاني والمغربي لا يقدم حلًا للمشكلة، بل يزيدها تعقيدًا، خصوصًا حين يتزامن مع تصاعد السجال حول لگويره. والمطلوب هنا هو معالجة الخلل التجاري بأدوات اقتصادية واضحة، لا تحميل الوقائع أكثر مما تحتمل.
ومن روافد هذا السجال أيضًا تصريحات العالم المقاصدي المغربي أحمد الريسوني، الرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي أثار في أغسطس 2022 جدلًا واسعًا حين قال إن «وجود موريتانيا غلط»، ودعا إلى عودة المغرب إلى ما وصفه بحدوده التاريخية السابقة للاستعمار الأوروبي.
وقد اعتبر الريسوني موريتانيا جزءًا من المغرب من الناحية التاريخية، وعزا نشأة الدولة الموريتانية بصيغتها الحالية إلى السياسة الاستعمارية الفرنسية، مستحضرًا موقف المغرب من استقلالها قبل اعترافه بها لاحقًا. ولم يترك مجالًا كبيرًا للتأويل بشأن موقفه، إذ أكد أنه يقصده حرفيًا لا مجازًا.
وفي الأيام الأخيرة، عاد الريسوني إلى إثارة الموضوع خلال مقابلة مع بودكاست «بصيغة أخرى»، قائلًا إن موريتانيا لم يكن لها وجود في التاريخ، ومشبهًا نشأتها بما وصفه بـ«الجمهورية العربية الصحراوية الوهمية»، ومضيفًا أنها لم تكن كيانًا مستقلًا، لا باسم موريتانيا ولا باسم شنقيط، وفق روايته للتاريخ.
وهي تصريحات غير موفقة، تفتقر إلى الحكمة السياسية، وتثير حساسيات لا تخدم علاقات الجوار ولا مقتضيات الاحترام المتبادل بين الشعوب. كما أن اختزال تاريخ موريتانيا في ظروف نشأة الدولة الحديثة يتجاهل تاريخ المجال الشنقيطي وخصوصيته الثقافية والعلمية والاجتماعية.
ومع ذلك، يظل من الضروري التمييز بين مواقف الريسوني الشخصية والموقف الرسمي المغربي؛ فلا يصح تحميل الدولة المغربية مسؤولية تصريحات فردية ما لم يثبت تبنيها رسميًا. فالإنصاف يقتضي ألا نخلط بين رأي شخص، مهما كان موقعه أو تأثيره، وبين السياسة الرسمية لدولة ذات مؤسسات ومصالح وعلاقات تحكمها اعتبارات أوسع.
ويُنسب إلى الملك الحسن الثاني قوله إن أول معطى ينبغي للسياسي أن يتعامل معه هو المعطى الجغرافي، إذ ليس في وسع أحد أن يختار جيرانه. وهي حقيقة تفرض على الدول أن تدير علاقاتها بمنطق المصالح المشتركة والحكمة، لا بمنطق الانفعال وردود الأفعال.
وقد أظهرت التجربة أن العلاقات بين الدول المجاورة لا تخلو من التباينات والمصالح المتعارضة، لكن نجاح السياسة لا يقاس بغياب الخلافات، وإنما بالقدرة على إدارتها واحتوائها ومنعها من التحول إلى أزمات مفتوحة.
وفي هذا السياق، تعامل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مع أزمة مالي بمنهج اتسم بضبط النفس وتجنب التصعيد، رغم دعاة الحرب والمحرضين والأصوات التي دفعت باتجاه التوتر.
واليوم، نرى المنهج نفسه في التعامل مع قضية لگويره، التي تجاوز جانب كبير من الجدل بشأنها حدود الوقائع الميدانية إلى سجال إلكتروني وإعلامي متصاعد.
فالمواقف الرسمية المعلنة لا تشير إلى تحول جوهري في الوضع القائم، ولا تثبت وجود صفقة سرية أو نزاع جديد. ومع ذلك، لا يعني التمسك بالهدوء إهمال المصالح الإستراتيجية أو التنازل عن حق الدولة في توضيح حدودها وحماية أمنها ومصالحها، بل إن الحكمة تقتضي الجمع بين اليقظة والرصانة، وبين صيانة الحقوق والحفاظ على علاقات الجوار.
يبقى السؤال الأهم: من الذي نقل قضية لگويره من نطاق النقاش القانوني والدبلوماسي إلى سجال شعبي محتدم، وربطها بأزمة الطماطم وتصريحات الريسوني، حتى بدت الوقائع المتفرقة وكأنها حلقات في أزمة واحدة؟
لا تتوافر، في المعطيات المعلنة، أدلة كافية للجزم بوجود طرف ثالث يقف وراء هذا التصعيد أو يديره بصورة منظمة، لكن من المشروع التساؤل عن الجهات التي تستفيد من توتير العلاقات الموريتانية المغربية، وعن الكيفية التي تتحول بها الأخبار غير المؤكدة والتصريحات الفردية والأزمات التجارية إلى أدوات لتأجيج المشاعر وتوسيع هوة الخلاف.
فليس كل تزامن دليلًا على وجود خطة، وليس كل خلاف مؤامرة، لكن اجتماع هذه العناصر في سجال واحد يستدعي التثبت والقراءة المتأنية، بدل الانجرار وراء التأويلات المتسرعة.
إن مصلحة موريتانيا تقتضي حماية أمنها ومصالحها الإستراتيجية، وتوضيح حدودها عبر المسارات القانونية والدبلوماسية، وتنويع مصادر تموين أسواقها، وتعزيز قدرتها على مواجهة الصدمات الاقتصادية. كما تقتضي الحفاظ على علاقات متوازنة مع المغرب وسائر دول الجوار، بعيدًا عن التشنج والتحريض والتعميم.
فالسيادة لا تُصان بالشعارات، والحقوق لا تثبت بمنشورات مواقع التواصل، والعلاقات بين الدول لا تُدار بالانفعال. وإنما تُصان المصالح بالحقائق والوثائق، وبالدبلوماسية الواعية، وبالقدرة على التمييز بين الخلاف الحقيقي والضجيج المصنوع حوله.
ولگويره، في نهاية المطاف، ليست مجرد عنوان لسجال عابر؛ إنها قضية تتصل بالجغرافيا والأمن القومي، والمصالح الوطنية. ومن حق الموريتانيين أن يتابعوا مستقبلها باهتمام، لكن من واجب الجميع ألا يسمحوا بتحويل هذا الاهتمام المشروع إلى وقود للفتنة بين شعبين تجمعهما روابط الجوار والتاريخ والمصالح المشتركة.
كامل الود
سيد محمد المعروف باكس ول اكرك




