ماذا لوكنت وزيرا أول؟ (الحلقة الثانية)
العامل الثاني من عناصر الاكتفاء الذاتي عامل الزراعة :إن من أكثر مظاهر الفشل أن يكون سعر الطماطم ب 2500 أوقية قديمة ويكون المزارع المغربي هو من يحدد سعر الخضروات في موريتانيا .
فما الذي يمنعنا في موريتانيا من الاكتفاء الذاتي ليس في الخضروات وحدها بل في الحبوب ؟
كيف لا تكون الرؤية الوطنية للاكتفاء الذاتي هي استغلال إمكاناتنا الزراعية بصورة تتناسب مع حجم التحديات الغذائية التي نواجهها؟
لقد قطّع الرئيس شريط مشاريع وتصورات ضخمة للاكتفاء الذاتي واحد في لگوارب والثاني في تامشكط فكيف تمت متابعة ذلك على الوزير الأول أن يجيب على ذلك ؟ وكيف لا يكون في برنامجه التنموي للولايات هذه الإعلانات الكبيرة التي حضرتها موريتانيا كلها !
يمتلك البلد ثلاثة مصادر رئيسية للإنتاج الزراعي: مياه النهر، والمياه الجوفية، والأمطار.
ويُستخدم النهر أساسًا في زراعة الأرز، مع وجود تجارب في زراعة القمح ،وهناك طفرة في زراعة الدلاح . أما الخضروات، فعلى الرغم من أهميتها في الاستهلاك اليومي، فإن إنتاجها لا يزال دون الإمكانات المتاحة.
والمفارقة أن زراعة الخضروات يمكن أن تتوسع في مناطق واسعة من البلد، حيث تتوفر الأراضي الزراعية والمياه في أجزاء معتبرة من التراب الوطني، لكن المشكلة لا تكمن في الموارد وحدها، بل في المنظومة الاقتصادية التي تأتي بعدها.
لقد أكدت التجربة أن أغلب المبادرة الزراعية على ضفة النهر خاصة من طرف الاهالي قد تقلصت ألى حد كبير .فمناطق الانتاج والمناطق المجاورة لها لا تستطيع دائمًا استيعاب الكميات المعروضة في مواسم الذروة. وعندما تُنقل المنتجات إلى نواكشوط، باعتبارها السوق الرئيسية التي تستوعب جزءًا كبيرًا من الإنتاج، تتعرض كميات منها للتلف بسبب ضعف وسائل النقل المتخصصة، وطول إجراءات التفتيش المتكررة ووسيلة النقل غير المتخصصة أصلا ، ومحدودية قدرات التخزين والتبريد، وعدم قدرة السوق على استيعاب الكميات المتدفقة في وقت واحد.
والمشكلة الأخرى أن مدنًا وولايات عديدة لا تتوفر فيها أسواق منظمة ومجهزة تسمح باستقبال المنتجات الزراعية وتخزينها وإعادة توزيعها.
إن وفرة الإنتاج في موسم معين لا تعني نجاح السياسة الزراعية، إذا كانت هذه الوفرة تؤدي إلى خسارة المزارع وإتلاف المحاصيل. فالنجاح الحقيقي هو سوقًا مستقرة، ومنتجًا متاحًا بسعر مناسب، وعائدًا مستدامًا.
ومن المفارقات المؤلمة أننا قد نجد، في فصل الصيف والخريف، وفي بعض القرى الزراعية الواقعة على ضفة النهر، مثل دار البركة واللِّگات وبوگى …خضروات مستوردة من المغرب تُباع في أسواقها في حين يمكن أن تنتج مثلها أو أفضل منها.
أي مفارقة أكبر من هذه؟ أرض ومياه وإمكانات بشرية متاحة، لكننا لا ننجح دائمًا في ربط الإنتاج بالاستهلاك، ولا في حماية المزارع من الخسارة، ولا في تمكين المواطن من الاستفادة من إنتاج بلده.
أن هذا الفشل يمتد إلى زراعة الحبوب والتي يملك المواطن فيها خبرة وتقاليد لم تتطور بل أخذت في التراجع وأخذت المساحات الزراعية تنكمش والمعالم تندرس والسدود تتحطم بسب غياب التوجيه والدعم وبسبب اختزال هذا النشاط على نوع معين من الناس وبوسائل تقليدية وفترة الخريف وحدها وارتباطه بالمطر واعتماده على الجهد العضلي وحده وانتظار محصول ضعيف في النهاية .
ومع أن الكثير من هذه المحاصيل مهم في سلسلة الغذاء مثل الفول السوداني "آدلگان "الذي يمكن أن يستخدم كبديل عن اللحوم وبالنسبة لبذور "فندي"أو ما يعرف في مناطق أخرى "بالشركاش "المعروف بارتفاع نسبة الدسم فيه مما بجعله صالح لاستخدامات عديدة إن هذه المواد غذاء تام ومفيد وبالنسبة للتجمعات المنتشرة في البلد والتي لاتوجد بها أسواق فإن هذه المواد يمكن أن تكون أساسا مكملا لغذائها .
لكن الدولة للأسف لم تطور الوسائل ولم تؤطّر الأهالي إن سياسات الحكومة يجب في البداية أن تسد الحجات الضرورية والأساسية للمواطن لكي يتسنى أن يكون جزء منها .وهكذا يتعين في البداية تحديد المساحات الزراعية في البلد وتأهليها حسب الأهمية والمحاصيل وتحفيز المواطن الذي اتجه إلى أنشطة أخرى للعودة لممارسة هذا النشاط وتطوير الأدوات ودعم الإنتاجية ومحاولة تمديد أمد النشاط نفسه بإدخال أنماط جديدة أن هوامش المدن الكبرى وشعب تإزر مليون ونيف والمنقبين عن الذهب وآدوابي والرعاة والسكان المنقطعين عن المدن كل هذا الشعب العريض يعيش على بدائل اللحوم ،كما أنه مع تزايد الأمراض المزمنة مثل الضغط والسكري وغيرها أخذت العادات الغذائية في اتجاه استخدام الوجبات الخالية من الدسم والملح في الليل بالاعتماد على الزرع .
إن الحل يبدأ من دعم زراعة الخضروات من خلال أربعة عناصر أساسية: التخزين والحفظ والتوزيع والنقل، مع إنشاء أسواق محلية منظمة. وبعد ذلك تأتي الصناعة التحويلية بوصفها خطوة مكملة لتثمين الإنتاج.
أولًا، إنشاء مرافق للتخزين والتبريد بالقرب من مناطق الإنتاج، بما يسمح بحفظ الخضروات لفترات مناسبة، وتقليص الخسائر الناتجة عن التلف.
ثانيًا، توفير وسائل نقل ملائمة للمنتجات الزراعية، وربط مناطق الإنتاج بالأسواق المحلية والجهوية والوطنية، على نحو يقلل التكلفة ويحافظ على جودة المحاصيل.
ثالثًا، إنشاء أسواق منظمة في المدن والمقاطعات، بحيث تصبح هذه الأسواق نقاطًا لتجميع المنتجات وتوزيعها، بدل أن يعتمد المزارع على سوق واحدة أو على وسطاء يتحكمون في شروط البيع.
رابعًا، تطوير آليات التسويق والتعاقد بين المنتجين والموزعين والتجار، بما يمنح المزارع قدرًا من اليقين بشأن تصريف إنتاجه، ويحد من المضاربات والخسائر التي تنتج عن اختلال العرض والطلب.
وبعد استكمال هذه العناصر، يمكن التوسع في الصناعات التحويلية، مثل تجفيف بعض المنتجات الزراعية وتعليبها وتصنيعها، بما يطيل مدة صلاحيتها ويزيد قيمتها الاقتصادية.
إن المشكلة التي تواجه الدولة في معالجة هذه التحديات البسيطة نسبيًا هي أن معظم الحلول تُربط مباشرة بميزانية الدولة، وكأن الحكومة مطالبة وحدها بتمويل كل مشروع اقتصادي من بدايته إلى نهايته.
وهكذا يتزايد الضغط على الميزانية العامة، وتظل الحلول مؤقتة ومحدودة، رغم وجود إمكانات مالية واستثمارية يمكن تعبئتها إذا أحسنا تنظيم العلاقة بين الدولة والقطاع المصرفي والمستثمرين وإذا استطعنا أيضا من بناء تصورات وخطط واقعية هدفها المواطن وترقية القطاع لا منح هوامش مالية لرجال الأعمال.
إلى حد الآن لم نستفد من الليبرالية الاقتصادية بصورة جيدة ، ولم ننجح بعد في توجيه القطاع المصرفي نحو تمويل التنمية الإنتاجية والاجتماعية على نطاق يتناسب مع إمكاناته،ولم نجح في تحرير المبادرات ولا دعم التنافس .
فإذا كان لدينا 18 بنكًا،، فلماذا لا نبحث في كيفية توجيه جزء أكبر من قدراتها التمويلية نحو الاقتصاد الحقيقي، نحو تمويل المشاريع الإنتاجية .
مما يعني شراكة اقتصادية واضحة، تحدد فيها الدولة الأهداف والأولويات والضمانات، بينما تتولى البنوك والمستثمرون تمويل المشاريع وفق دراسات جدوى ومعايير مالية شفافة.
يمكن، على سبيل المثال، وضع برامج تمويل طويلة الأجل لمشاريع الصيد والزراعة والنقل والبناء، وفق آجال سداد تتناسب مع طبيعة كل نشاط وقدرته على توليد الدخل، وقد تمتد في بعض المشاريع إلى عشرين سنة إذا أثبتت الدراسات جدوى ذلك.
الحلقة الثالثة
وفي هذه الحالة، لا يكون دور الدولة هو دفع التكلفة كاملة، بل وضع الإطار القانوني والتنظيمي، وتحديد معايير الجودة، ومراقبة التنفيذ، وتوفير الضمانات المناسبة للمشاريع ذات الأولوية الوطنية، دون تحويل الضمانات إلى التزام مفتوح على المال العام.
ويمكن توزيع البرامج التمويلية على مجموعات من البنوك والمستثمرين وفق تخصصات واضحة:
* مجموعة لتمويل مشاريع الصيد البحري، والقوارب، ومعدات الصيد، ومرافق التبريد والتسويق.
* مجموعة لتمويل الزراعة، وشبكات الري، والمعدات الزراعية، والتخزين، والصناعات التحويلية.
* مجموعة لتمويل النقل والبناء والخدمات اللوجستية المرتبطة بالإنتاج.
* مجموعة لدعم المبادرات الفردية والمشاريع التطويرية التي يقودها الشباب، وفق معايير مهنية ومالية تضمن فرص نجاحها واستدامتها.
إن مهمة الدولة هي تحديد الأهداف، والآليات، والسقف المالي، وحجم مساهمتها، ومساهمات البنوك والمستثمرين والشركات الأجنبية العاملة في البلد بموجب التراخيص والاتفاقيات.
فإذا كنا بحاجة، مثلًا، إلى إنشاء عشرين سوقًا للسمك موزعة على امتداد التراب الوطني، مجهزة بالتبريد والطاقة الشمسية، فعلينا أن نحدد تكلفة هذه الأسواق، ومواقعها، وحجم الطلب المتوقع عليها، ومصادر تمويلها، والجهات التي ستتولى إدارتها وصيانتها.
وإذا كنا بحاجة إلى مائة زورق سنويًا، فعلينا أن نحدد ما إذا كان الأنسب تصنيعها محليًا أو استيراد بعضها، وما يتطلبه ذلك من استثمارات وتكوين ومواد أولية، وما يمكن أن يوفره المشروع من فرص العمل.
وإذا كنا بحاجة إلى ثلاثة آلاف عامل في قطاع الصيد، بين صيادين ومتخصصين في فرز المنتجات السمكية وتسويقها ونقلها، فعلينا أن نضع خطة واضحة للتكوين والتشغيل، تربط بين حاجات السوق وبرامج التدريب والتمويل.
بهذه الطريقة، ننتقل من الحديث العام عن التنمية إلى مشاريع محددة، لها أهداف قابلة للقياس، وتكلفة معروفة، ومصادر تمويل واضحة، وجدول زمني للتنفيذ، ومؤشرات تسمح بتقييم النتائج.
لقد أصبح لدي اليوم تصور أولي عمّا نحتاج إليه لتطوير قطاع الصيد، وعن الكيفية التي يمكن بها تعبئة الإمكانات الوطنية لتوفير السمك للمواطن، وخلق فرص العمل، وتحسين دخول العاملين في هذا المجال.
لكن الصيد والزراعة ليسا سوى بداية الطريق. فالأمن الغذائي لا يتحقق بمعالجة قطاع واحد، وإنما ببناء منظومة متكاملة تربط الإنتاج بالتخزين والنقل والتسويق والتصنيع والتمويل، وتضع المواطن في قلب السياسات الاقتصادية.
فلو كنت وزيرًا أول، لما اكتفيت بإدارة الأزمات بعد وقوعها، بل لعملت على منع أسبابها، وتحويل موارد البلد إلى إنتاج، والإنتاج إلى فرص عمل، وفرص العمل إلى دخل، والدخل إلى قدرة شرائية تحفظ كرامة المواطن واستقرار البلد.
ثانيا دعم ثقافة استعمال الخضروات أكثر من اللحوم من خلال تبني خطة توعية شاملة وتكوين وتثقيف حول الموضوع .
ثالثا منح الأراضي الزراعية لمن يستغلها لا لمن يجعلها تراث شخصي كما لا تمنح منها إقطاعات كبيرة ألا لشركات التطويربشروط صريحة .
رابعا دعم فكرة الغذاء مقابل العمل ونقل المواطنين في بداية الموسم إلى مناطقهم وتشجيعهم على الزراعة .
التنمية الحيوانية
زراعة الحبوب وهي الزراعة المرتبطة بالمطر لكنها من دون تأطير أو توجيه أو حماية ومازالت بصفة عامة تقوم على الطريقة التقليدية وهي التي منها جميع أنواع الحبوب المستعملة عندنا التي من أهمها "بشنة"، "تقليت "،"متر " ،"مكة"،"شونت " ،"إدلگان"وهناك القمح ،والشعير ،والبقوليات مثل "فندي "هذه كلها منتوجات معروفة ومستخدمة بشكل أساسي في الغذاء .
يتواصل
ملاحظة بسبب عدم فصل الكثيرين بين المعالجات ومقالات الرأي ومقتضيات كل واحد منهم من المعلومات والتفصيل ..وامتعاضهم بالتالي من طول المعالجات ستتطلب هذه المعالجة عدة مقالات .
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار




