ماذا أعددنا للمعلم في الافتتاح؟
قُمْ للمعلمِ وفِّهِ التبجيلا
كاد المعلمُ أن يكونَ رسولا
أبيات حفظناها في الصغر وظلت محفورة في أذهاننا، لقد كنا نتمثلها بحق بحيث كنا نخاف أن نسلك طريقًا قد نصادف فيها معلمًا.. لقد كانت محفورة في أذهاننا صورة جميلة وعظيمة عن المعلم وكان هو يشعر بها ويتمثلها كما كان المجتمع أيضاً يمنحها له.
فأين نحن من ذلك اليوم؟
نحن على مشارف افتتاح السنة الدراسية 2026/2027، وهناك تحضيرات كبيرة تجري للمدارس والتلاميذ في هذه المناسبة كل سنة وقليلاً ما نلمس فيها نصيبًا للمعلم. ولهذا يطرح هذا السؤال باستمرار: أين يقع المعلم من كل هذه التحضيرات؟ وما نصيبه من هذا الاستعداد؟ وهل هناك دورات فعلية لتحسين أدائه وتمكينه من أداء مهامه بمعنويات عالية، وفي ظروف وشروط عمل (نقل، سكن) لائقة؟
تعاني المدرسة الوطنية من مشكلات جوهرية، لعل من أعظمها ضعف الحوافز الذاتية لدى المدرسين. فالمعلمون في هذا البلد لا يشعرون بالتقدير الذي يليق بدورهم المحوري في التربية والتعليم وبناء المجتمع، مما انعكس على معنوياتهم وعطائهم ووظيفتهم باعتبارهم الفئة المستضعفة والمهمشة، وهكذا أصبحوا ينظرون لمهنتهم كوظيفة عادية وليست مهمة اجتماعية أساسية ولا محورية في بناء الأجيال والدولة، كما أن المجتمع نفسه لم يعد يعي حجم ذلك الدور ولا يقدّره كما ينبغي، أما الدولة، وهي الجهة الوصية على القطاع، فينبغي أن تكون الأكثر إدراكًا لمكانة العلم ولحاجة البلد الماسّة إليه خاصة في توجه المدرسة الجمهورية التي تلعب التربية فيها دورًا محوريًا.
وبذلك لا يوجد أحد يشغل منصبًا في هذا البلد، من رئيس الجمهورية إلى أصغر موظف، إلا وكان خلف مسيرته معلم فتح أمامه باب القراءة، ووضع القلم بين أصابعه، وعلّمه أول حرف، وقاده في أول الطريق.
لكننا مع ذلك للأسف، قلّ أن يتذكر أحد منا ذلك المعلم، أو يحتفي بالدور الذي أداه في صناعة مساره ومستقبله.
إننا نتذكر معلمينا الذين كانوا يضربوننا، أحيانًا، بذكريات جميلة؛ لأن ذلك كان، في سياق زمانه، حافزًا للانضباط. وكان الشعور بالألم والخوف يبعثان فينا روح احترام الفصل والمعلم والمدرسة ومحيطها. وكان لجلال المعلم حضور وهيبة، تمتزج فيها الصرامة بالمثل والقيم والمثابرة والإحساس بالمسؤولية.
لقد كان المعلم سلطة أخلاقية قبل أن يكون موظفًا، وكانت المدرسة فضاءً له حرمته وهيبته قبل أن تكون مبنى، وكان احترام المعلم جزءًا من التربية نفسها. واليوم، لا يمكن أن نطالب المعلم بأداء رسالة عظيمة ونحن لا نوفر له المكانة والظروف التي تساعده على أدائها، بل وقد تحللنا من سديم كل ذلك.
إن العالم من حولنا يملك تقاليد مهمة في تكريم المعلم والذي لا يُنظر إليه باعتباره مجرد احتفال رمزي، بل باعتباره جزءًا من ترسيخ مكانة التعليم في المجتمع. فالعالم يحتفل في الخامس من أكتوبر من كل عام باليوم العالمي للمعلم، وهو مناسبة ترتبط منذ عام 1994 بالتذكير بمكانة المدرسين وحقوقهم وظروف عملهم وتكوينهم وتطوير قدراتهم. وفي الصين، على سبيل المثال، خُصص يوم 10 سبتمبر من كل عام يومًا رسميًا للمعلم، وأصبح مناسبة وطنية للاحتفاء بالمدرسين وتعزيز مكانتهم الاجتماعية. وفي سنة 2026، دعت وزارة التعليم الصينية، بمناسبة يوم المعلم الثاني والأربعين، إلى حماية حقوق المدرسين وتحسين ظروفهم وتعزيز مكانتهم وتكريم النماذج المتميزة منهم.
وكثير من الرؤساء والقادة العظام في العالم، عندما يلتقون معلميهم القدامى، يحرصون على إظهار تقديرهم لهم على الملأ، لأن في ذلك رسالة إلى المجتمع كله بأن وراء كل مسؤول وعالم وطبيب ومهندس وضابط وقاضٍ وصحفي معلمًا كان يقف في بداية الطريق.
فلا يمكن ترقية العلم والتعلم والمدرسة دون إحاطة المعلم بالهالة التي يستحقها؛ لأنه هو بداية مشوار الإنسان وبداية بناء الدولة. وإذا فقد المعلم مكانته الاجتماعية وهيبته داخل الفصل، وشعر أن مهنته لا توفر له التقدير ولا العيش الكريم ولا الأفق المهني، فمن الصعب أن نبني مدرسة قوية مهما أنفقنا على المباني والتجهيزات.
وينبغي لموريتانيا أن تضاعف اهتمامها بالمعلم، وأن تمنحه فرصًا أكبر للعيش الكريم وتطوير قدراته، وأن تواظب على تكوينه تكوينًا جيدًا، علميًا وتربويًا وأخلاقيًا، وأن تحذو حذو الدول التي جعلت احترام المعلم جزءًا من ثقافتها العامة، وأن ترسّم يومًا وطنيًا خاصًا بها للمعلم يكون مناسبة حقيقية لتكريم المدرسين المتميزين، واستحضار المتقاعدين منهم، وربط الأجيال الجديدة بمن علموها وصنعوا بداياتها.
بل يمكن أن يبدأ افتتاح كل سنة دراسية من المعلم نفسه: بتكوين تحضيري، وتكريم المتميزين، وتحسين ظروف العمل، والاستماع إلى مشكلات المدرسين، وتوفير الوسائل التي يحتاجون إليها داخل الفصل، حتى يشعر المعلم أن افتتاح المدرسة يعنيه كما يعني التلميذ والأسرة والإدارة.
وأعتقد أن الإصلاح الجوهري للمدرسة يبدأ من إعادة الاعتبار للمعلم وتمجيد رسالته؛ إذ ينبغي أن يستعيد مكانته ماديًا ومعنويًا، وأن يشعر أن الدولة والمجتمع يقفان خلفه ويحترمان رسالته، وأن تكون له المكانة التي تجعل أفضل أبنائنا يتطلعون إلى مهنة التعليم بدل أن تكون خيارًا أخيرًا لمن لم يجد غيرها.
إن إصلاح المدرسة لا يبدأ من الجدران، ولا من الطاولات، ولا من الكتب وحدها؛ فهذه كلها ضرورية، لكنها تظل أدوات. أما المدرسة الحقيقية التي هي التربية والأخلاق والالتزام والتعلم فتبدأ من الإنسان الذي يستقبل التلميذ كل صباح.
فإذا أردنا أن نعرف مستقبل المدرسة، فلنسأل أولًا عن حال المعلم.
وإذا أردنا أن نبني دولة قوية، فلنبدأ بمن يصنع الإنسان الذي سيبنيها.
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار




