موريتانيا.. حاجتنا إلى حوار وطني، لا حوار سياسي
إن المحصلة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، هي أن السياق العام الذي يسير عليه البلد -والذي يمتد لنمط ما بعد الاستقلال- لم يعد صالحاً لتسيير معضلات الواقع ولا رهانات المستقبل، بكل تأكيد.
إن جميع الشرعيات التي تأسس عليها نظامنا السياسي صارت "شرعيات بالية"؛ بدءاً من المجتمع القبلي والجهوي، مروراً بالطغمة العسكرية، وصولاً إلى الشحن الفئوي والمتاجرة بأوجاع الطبقات الهشة والأكثر غياباً عن النمو والاندماج الاقتصادي، يضاف إلى ذلك، انعدام رؤية شمولية للبلد، وغياب السيادة الغذائية والطاقوية، والارتهان للأمن المستورد. حتى المطالب الحديثة، كالحوكمة ومحاربة الفساد، لا تقوم على فهم حقيقي لوضعية البلد السوسيو-سياسية.
وكنتيجة طبيعية، فإن الطبقة التي ظلت تحرك وتستغل هذا الخطاب، هي أيضاً طبقة بالية؛ وأي رئيس يأتي عبر هذه البنية وقنواتها التقليدية لن يتمكن من الخروج عن السياق، فهو محكوم سلفاً بتلك الشرعيات البالية أيضا .
كما يشهد العالم بصفة عامة انحداراً للنخبة، خاصة على مستوى الالتزام والعقيدة السياسية والأيديولوجيا. وقد أدى اكتساح الجماهير العريضة لوسائل التواصل الاجتماعي إلى تغيير معطيات المشاركة والمحتوى السياسي ، حيث أصبح الإعلام الرقمي هو الموجه للسياسيين والحاكمين وفق معارف سطحية وتصورات مبتذلة . ونتيجة لذلك، غابت "الجدية والعمق" كعملة للتبادل السياسي، ودخلنا في ظرف موبوء بالفوضوية وضجيج الاستهلاك الإعلامي السريع بالإضافة إلى خصائصنا المحلية .
وبعملية التثاقف تلك، تمخضت عن تفكير نخبتنا السياسية -بعد ثلاثة أشهر من المداولات- مقترحات مؤسفة؛ إذ ما زالت تنظر للأسفل وبسطحية كبيرة للرهانات. إنها تتصرف انطلاقاً من الحسابات والميولات والنوازع الشخصية، لا من منطلق التفكير في "البلد كفكرة مجردة" يجب أن يتوجه نحو الصلابة والاستقلالية .
ولهذا، فإن الحوار الذي يحتاجه البلد لا يمكن أن يكون من صنع هذه الطبقة وحدها ؛ إنه يتطلب رؤية مجردة متبصرة تجمع الآنات الثلاثة (الماضي، الحاضر، المستقبل) في مشروع وطني واحد.
فما هو المشروع الوطني؟
إنه الرؤية التي تحول موريتانيا إلى دولة قوية تعتمد على نفسها في مواجهة الطوارئ والتحديات، ضمن سقف زمني محدد (عشرين سنة مثلاً) وغير مرتبط ببرنامج شخص بعينه. وأن يكون الاقتصاد محوره الأساسي فميكانيزمات الاقتصاد الوطني تقليدية وتقوم على الغل والجشع والاختلالات التي تغلق باب أمام المنافسة مع البضاعة الخارجية وتنهك المواطن مقابل دعم صناعة رديئة ومغشوشة ونظام الرخص والامتيازات المختل الذي خلق إمبراطوريات من الجهل والعدم ، لكن الطبقة السياسية الحالية لا تملك أي رؤية، بديلة والأسوأ أنها ليست جاهزة للانخراط في أي تصور يخالف نهجها ويبطل مفعول "بضاعتها" التقليدية.
إنهم يفضلون "لوك" مفاهيم قديمة تعود لسنة 1958؛ فبينما يعيش الأهالي بسلام في كل شبر من هذه الأرض ، يدرسون ويعملون ويتوظفون معاً، يصر السياسي على أن المشكل هو "الوحدة الوطنية". والواقع أن المشكلة تكمن في غياب آليات واضحة للتوظيف والترقية بعيداً عن الانتماءات الضيقة وسيطرة المجتمع التقليدي ومخاليق السياسية القبلية ، كما تُطرح مشكلة العبودية ومن ثم مشكلة اللون كعائق أمام السلم، في حين أن القاعدة هي السلم الأهلي والاستثناء هو عدمه، وأن المشكل يكمن في انعدام المشاريع العملاقة التي تستوعب طاقات الناس وتنتشلهم من مآسي الفقر و تدعم المساواة في الفرص من خلال نظام واضح في العمل قائم على الاستحقاق والمعايير الموضوعية وتثمين الفرص . ويتعين أيضًا تحقيق مكاسب فردية، خاصة في التعليم، وخلق بيئة اجتماعية تدعم إكمال الطلاب لمساراتهم الدراسية، وبناء تعليم متوسط ومهني موجه لأصحاب المهن وأبناء الأرياف والطبقات الهشة .
كما تطرح محاربة الفساد بالنهج "المعياري" الغربي غير الممكنة في بلدنا دون تغيير البنية الراسخة التي تحمي الفساد وتدعمه لدينا (العقليات، القيم، ونظام استغلال الموارد). فمن أين نبدأ والمنظومة ترفض محاربة الفساد وتحارب الكفاءة والاستقامة والنزاهة؟
كما تطرح مسألة المواد المحصنة (المأموريات الرئاسية)، بشكل استفزازي يقطع طريق التراكم. لقد تعرضت تجربتنا للهتك عام 2018 حين جُرف "مجلس الشيوخ" الذي كان يمثل كابحاً وبناءً ديمقراطياً يخدم حقائق البلد حيث كانت الغرفة الرئيسية للبرلمان تنتخب من كافة الشعب -الذي يمثل فيه التخلف و الأمية نسب عالية جدا - وكانت بالتالي قراءتها للقوانين سطحية مما جعل المشرع يفكر في قراءة أكثر مهنية للقوانين بسن غرفة ثانية عليا للبرلمان هي غرفة الشيوخ التي تم محوها لغير سبب . إن تحديد المأموريات جاء ضمن نفس التفكير الذي يستسقي المصلحة من التجربة الوطنية ليضع حداً للهيمنة والاستبداد، فخلال 45 سنة من الاستقلال، تربع رجلان (المختار ومعاوية) على 40 سنة منها على الحكم ،وكحد لمثل ذلك ، وضع هذا القفل، وما تزال المصلحة تقتضي الحفاظ على هذا الخيار للتراجع عنه .
إن الرئيس غزواني رجل هادئ، ورجل سلم يمتلك إرادة وطنية صلبة، وقد اجتاز بالبلد أزمات صعبة. لكنه يعمل ببطء، وبتسامح أكثر من اللازم، مما مكن "هوامش الأنظمة الفاشلة" والطبالين من التسلل إلى دائرة التعيينات المفرغة من المعايير المهنية، وأغلق الباب في وجه الكفاءات والجديين، وفي هذا العصر تعتبر الأولية للنبوغ والمهنية ؛ فالشعوب كالركاب، يريدون المراكب التي توصلهم بسرعة وبمخاطر معقولة لا تلك التي تأتي بهم متأخرين .إنه من غير المستساغ التمديد لنفس المنطق .
إن الحوار الحالي يقف أمام عقبة جوهرية:
1. غياب الرؤية: حول ماهية الحوار وأسسه.
2. فقدان الثقة: بين الأطراف، وغياب إطار علمي أو أكاديمي يوجه الأهداف العليا.
لقد وصلت المنهجية الحالية إلى طريق مسدود، وذلك :
– لأن بنية الطبقة السياسية غير مؤهلة وحدها لوضع تصور حوار وطني بمقتضيات الرهانات وعملية التحول التي يحتاجها البلد،.
– أن الاطار المنهجي لم يستوعب مطالب الفرقاء وتقريب وجهات نظرهم حول ماهية الحوار نفسه ولم يحدد لنا نوعية الحوار الذي يراد ولا أهدافه الحقيقة إذ تظل الشكوك تحوم حول الهدف بسبب غياب الإجماع على أهدافه وتفسير كل طرف له حسب هواه .
– لأن الرئيس ظل هو المرجعية في حين أنه ليس طرفا فيه .
إننا أمام وضع يجعل الحوار غير قادر على التقدم للأمام إلا في حالة تغيير المنهجية :
– الانتقال من الجمهور الحالي (الأحزاب السياسية) إلى الجمهور وطني بمكونات النخبة .
-الانتقال بمفهوم الحوار من الحوار السياسي إلى الحوار الوطني، ومن "العموميات" إلى "الأهداف المحددة"، ومن التركيز على "السياسيين" إلى التركيز على "العقول والخبرات".
– دعم المنسق بلجنة خبراء مهنيين من خارج الطيف السياسي .
– الابتعاد عن ادماج رئيس الجمهورية في مرحلة التحضير فقد أثارت مصادر صحفية أن النسخة النهائية أعلنها المنسق بعد لقائه بالرئيس مما يوحي ولو من دون يقين من أن له رأي في مواضيع النقاش !!!
نحن بحاجة من أجل حوار وطني بالتركيز على الأفكار والتصورات العلمية وبالتالي ودعم قطبه السياسي بأقطاب النخبة الوطنية (في الداخل والخارج) من كل التخصصات تلك التي تملك رؤى علمية وراكمت نجاحات واحتلت مراكز مهمة لدى الشعوب والهيئات التي تقدر العلم والخبرة والحنكة والبصيرة والتي تقع بعيدة عن مرمى الأحداث والأطماع وعن ضغط الحاجة والمنافع الضيقة والارتماء في أحضان الحكم فنحن بحاجة إلى "حوار عقول" ينقذ البلد، لا "حوار نفوس" يعيد إنتاج الفشل ويمدد للمنطق الذي نريد تغييره باجماع .
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار



