الثلاثاء
2026/03/24
آخر تحديث
الثلاثاء 24 مارس 2026

القرآن وسؤال المعنى: من أزمة الإلحاد المعاصر إلى برهان الوحي(الحلقة: التاسعة)

منذ 9 ساعة
القرآن وسؤال المعنى: من أزمة الإلحاد المعاصر إلى برهان (…)
طباعة

حدود العقل في إدراك الروح: قراءة بين العلم والقرآن
لقد حاول العلم الحديث مقاربة هذه القضية من خلال دراسة الدماغ ونشاطه، فتوصل إلى ملاحظات تفيد بوجود نشاط أعلى في بعض مناطق الدماغ لدى المتدينين مقارنة بغيرهم. غير أنّ هذه النتائج—مهما بلغت دقتها—لا تتجاوز حدود وصف الظواهر العصبية، ولا تقدّم تفسيرًا لحقيقة الروح ذاتها.
فالعلاقة بين النشاط الدماغي والتجربة الروحية تظلّ علاقة ارتباط لا تفسير، لأنّ العلم التجريبي محكوم بحدود الحواس، وهذه الحواس نفسها محدودة المجال؛ فالإنسان لا يرى إلا جزءًا ضيقًا من الطيف الضوئي، ولا يسمع إلا نطاقًا معينًا من الترددات.
فكيف يُطالَب هذا العقل المحدود بإدراك حقيقة تتجاوز المادة؟
ومن هنا، فإنّ فشل المحاولات العلمية في رصد الروح أو قياسها—سواء عبر الوزن أو الأجهزة الدقيقة أو تقنيات التصوير—لا يُعدّ دليلاً على عدم وجودها، بل هو شاهد على قصور المنهج المادي ذاته.
فالروح ليست كمًّا يُقاس، ولا موجة تُرصد، بل سرٌّ يتجاوز أدوات المختبر، وينتمي إلى عالم مغاير لعالم المادة.
وفي مقابل هذا العجز، يقدّم القرآن الكريم تصورًا متماسكًا وعميقًا للروح، يضعها في إطارها الصحيح: إطار الغيب المرتبط بإرادة الله وعلمه. يقول تعالى:اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾[الزمر: 42].
فيكشف بذلك عن حقيقة دقيقة، وهي أنّ الروح تُقبض في حالتي الموت والنوم، وتُعاد بإرادة الله.
وهذا البيان لا يقدّم تفسيرًا ماديًا، بل يوجّه العقل إلى حدوده، ويدلّه على المصدر الذي يملك المعرفة اليقينية.
كما يؤكد الحديث النبوي هذا المعنى حين قال النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "إنَّ اللَّهَ قَبَضَ أرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، ورَدَّهَا حِينَ شَاءَ، »،[ صحيح البخاري]. مما يدل على أنّ الروح كيان مستقلّ عن الجسد، يمنحه الحياة والإدراك، فإذا فارقته تعطلت تلك الوظائف، وإذا عاد إليه عادت الحياة بكل مظاهرها.
أما الفكر البشري، فقد خاض طويلًا في محاولة تعريف الروح، فتباينت آراؤه واختلفت مدارسه.
فقد رأى أفلاطون أنّ الروح جوهر الإنسان، تتكوّن من العقل والنفس والرغبة، في حين اعتبر أرسطو أنّ الروح ليست كيانًا مستقلًا، بل هي وظيفة الكائن وغايته.
ثم جاء ديكارت ليؤكد الثنائية بين الروح والمادة، معترفًا بغموض العلاقة بينهما، بينما قدّم ليبنتز تصورًا ميتافيزيقيًا قائمًا على “الذرات الروحية”، وجعل كانط البحث في الروح محاولة عقلية لفهم بنية التفكير الإنساني.
غير أنّ هذا التعدد في التصورات الفلسفية لا يعكس ثراءً معرفيًا بقدر ما يكشف عن أزمة إدراك؛ إذ لو كانت الروح قابلة للإحاطة العقلية الكاملة، لما هذا الاختلاف الواسع. ومن ثمّ، فإنّ الفلسفة—رغم عمقها—لم تستطع أن تتجاوز دائرة الظنّ، لأنها اعتمدت على العقل وحده، وهو أداة محدودة بطبيعته.وبناءً على ذلك، يتبيّن أنّ التفسير المادي يعجز عن إدراك الروح، كما أنّ الفلسفة تعجز عن الإحاطة بها، في حين يقدّم الوحي تصورًا ينسجم مع طبيعتها الغيبية، ويمنح الإنسان فهمًا متوازنًا يجمع بين الإيمان والعقل.
فالقرآن لا يُلغي العقل، بل يرشده إلى مجاله، ويمنعه من التورّط فيما لا يملك أدواته.إنّ قضية الروح تكشف بوضوح أنّ الإنسان—مهما بلغ من العلم—سيظل محتاجًا إلى الوحي، لأنّ هناك حقائق لا تُدرك بالتجربة، ولا تُحاط بالعقل، بل تُتلقى من مصدر أعلى. وهنا تتجلّى عظمة القرآن، لا في تقديم تفاصيل مادية عن الروح، بل في توجيه الإنسان إلى حقيقة موقعه المعرفي: مخلوق محدود أمام خالق عليم.
إنّ الروح تظلّ سرًا إلهيًا، يقف عنده العلم، ويتحيّر فيه الفكر، ويهتدي إليه الوحي.
ومن ثمّ، فإنّ أعقل المواقف ليس إنكار ما لا ندركه، بل الإقرار بحدودنا، والاهتداء بنور القرآن، الذي لا يقدّم كلّ الأجوبة، بل يقدّم المفتاح الصحيح لفهمها..
فالروح… ليست لغزًا علميًا فحسب، بل مفتاحٌ لمعرفة موقع الإنسان في هذا الكون.
وهكذا، يثبت أنّ القرآن لا يعارض العلم، بل يكمله، ويضعه في إطاره الصحيح، مذكّرًا الإنسان بأنّ فوق كلّ ذي علمٍ عليم....
يتواصل.....
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.

لمرابط ولد لخديم