الأحد
2026/03/22
آخر تحديث
الأحد 22 مارس 2026

موريتانيا بلا عقل استراتيجي: لماذا نحتاج إلى مجلس أعلى لصون السيادة؟(الحلقة الثانية)

منذ 1 ساعة
موريتانيا بلا عقل استراتيجي: لماذا نحتاج إلى مجلس أعلى (…)
طباعة

كيف يعالج هذا المقترح معضلة “دولة المشتلات”؟.. إنها تلك الدولة التي تعالج كل قضية فيها بمفردها، فلا يوجد تنسيق ولا إطار جامع لمجموعة القضايا وللسياسات القطاعية. إننا نحاول من خلال هذا التصور إرساء مسارين متكاملين داخل الدولة:
• مسار ديمقراطي (أفقي): تُديره المؤسسات المنتخبة، ويهتم بتسيير الشأن العام (التعليم، الصحة، الخدمات)، ويتغير بتغير الإرادة الشعبية.
• مسار سيادي (رأسي): يقوده المجلس، وهو مسار ثابت لا يخضع للتقلبات السياسية، ويضمن التقدم المستمر نحو تحقيق الأهداف الكبرى للدولة (القضاء على الأمية، التحديث العسكري، ترسيخ الوحدة الوطنية، استغلال الموارد، بناء الإنسان، تقوية المؤسسات، وتوطيد الدولة الوطنية). إن سبب الحديث عن هذين المسارين، كضرورة اليوم من أجل تغيير وضع البلد، هو وجود حقيقة واحدة ثابتة، ألا وهي أن البلد لا يتقدم بالمفهوم الكلي حتى بالمفهوم الجزئي القطاعي في أغلب الأحوال .

الوضع الاقتصادي:
موريتانيا دولة هشة بنيويًا، ليس فقط عسكريًا أو سياسيًا، بل اقتصاديًا بالدرجة الأولى، وهذه الهشاشة تتجلى بوضوح في طبيعة اقتصادها.
فهي تستورد أغلب حاجياتها من الخارج بما في ذلك قوتها اليومي، وهو مؤشر خطير على فقدان السيادة الغذائية وعلى فقدان التوازن أمام أي أزمة دولية . إنها لا تتوفر محليًا سوى على اللحم والسمك الذين يبدو أنها لم تعد قادرة على المواءمة بين القدرة الشرائية وأسعار هذه المواد المحلية ، بينما لا يتجاوز الاكتفاء الذاتي في الخضروات والأرز 60%، وذلك يعني أن المواطن يتحمل العبء الأكبر من الجباية، حيث يساهم استهلاكه اليومي بنسبة تقارب 56.9% من الإيرادات الضريبية، في حين تبقى مساهمة القطاعات الريعية، كالمعادن، محدودة جدا، أي 10% من حيث التشغيل والأثر الاقتصادي.

ورغم أن قطاع المعادن كان محركًا للنمو بين 2008 و2019، فإنه لم يتحول إلى رافعة تنموية حقيقية، بسبب غياب سياسة استراتيجية لتثمينه. بل إن بعض الموارد، كالحديد عالي الجودة، بدأ في النضوب، وأصبح استخراجه يتطلب شروطًا تقنية واستثمارية معقدة، تشمل الطاقة، والمياه، والاستقرار السياسي، وتحسين مناخ الأعمال، بينما ظلت الشركات الأخرى في النحاس والذهب واليورانيوم ولكويرتز وغيرها مجحفة وذات معلومات غير محكمة.

ويزداد الوضع تعقيدًا مع دخول موارد طاقوية جديدة، تفرض تحديات في الحوكمة والتسيير، في ظل غياب إطار استراتيجي واضح ودون أي خبرة .

أما الصيد البحري، فقد تعرض لاستنزاف مستمر دون سياسات تثمين فعالة، وعلى نحو سيء ظل يتعرض للتراجع بالنسبة للمرتبة في اقتصاد البلد، في حين بقيت الثروة الحيوانية تقليدية وموسمية، رغم كونها أحد أهم أعمدة الاقتصاد الاجتماعي.

وفي المقابل، يظل الإنسان الموريتاني الحلقة الأضعف في هذه المعادلة؛ إذ يعاني من التهميش، وضعف التكوين، وتآكل الحس الوطني، في ظل غياب رؤية استراتيجية واضحة للتعليم وبناء الإنسان المواطن ، وانعدام منهج متكامل لبناء القوة داخل السياسات الحكومية.

هذه الوضعية المزمنة، المستمرة منذ الاستقلال، لم تواجه بصفة جوهرية إلا أنها اليوم لم تعد مجرد اختلالات داخلية ، بل تضاعفت حدتها بفعل تصاعد التحديات الجيوسياسية والجيو-اقتصادية، في عالم يتجه نحو الصراع على الموارد ومصادر الطاقة، ويشهد موجات متزايدة من الهجرة وعدم الاستقرار الإقليمي.

ويزيد من خطورة هذا الوضع الوفرة المعدنيه والطاقوية والموقع الجغرافي لموريتانيا، باعتبارها نقطة عبور لظواهر عابرة للحدود، مثل الهجرة غير النظامية، وشبكات المخدرات، والجماعات المسلحة، مما يجعلها عرضة لمخاطر متشابكة تتجاوز قدراتها الحالية، خاصة في ظل هشاشة البنية البشرية والمؤسسية.
أما بالنسبة للتعليم والموارد البشرية: فيعاني قطاع التعليم من اضطراب دائم في الإصلاحات، وضعف واضح في المخرجات، وغياب الصرامة، وسوء في ظروف التكوين. وتشير المؤشرات إلى أن نسبة محدودة فقط (حوالي 12%) تتمكن من إكمال المسار التعليمي، دون وجود توجيه استراتيجي نحو تخصصات تخدم حاجات الدولة في بناء القوة والتحديث، وأن نسبة النجاح في الباكلوريا لا تتجاوز 16% .وتشهد المؤسسات التعليمية الجامعية اكتظاظا ،كما يفرز النظام التعليمي أطرًا تفتقر إلى التأهيل الكافي وإلى العقيدة الوطنية، في بيئة يغلب عليها الارتجال وانعدام التخطيط وعدم تحديد الأهداف لتبقى الجامعة إطارا فوضويا يغذي الساحة بخريجين بمستويات وعقليات لا تدعم أي مشروع للتقدم .
ويزداد الوضع تعقيدًا بسبب اختلالات بنيوية داخل الإدارة، من أبرزها:
• انتشار الشهادات المزورة
• ضعف الكفاءة المهنية
• تغليب الانتماءات القبلية والمصالح الشخصية
• تفشي الرشوة
• غياب معايير الجدارة والاستحقاق
• انعدام مساطر واضحة للترقية والتقادم
• سوء إدارة المواقع الحساسة
• غياب تقييم الأداء
. تدوير المفسدين
• إعادة تدوير الفساد عبر إعادة تعيين المتورطين
• التعيين على أساس القرابة والوجاهة
• غياب التراكم المؤسسي.
هذه الوصعية تجعل البلد يدور باستمرار في نفس الحلقة ولا يملك أي سبيل للتطور .

النظام الرئاسي: مركزية بلا استراتيجية
تتمحور الدولة حول مؤسسة الرئاسة، المرتبطة بشخص الرئيس، الذي يأتي كل خمس سنوات ليواجه في آنٍ واحد:
• التوازنات السياسية والقبلية
• أزمات الخدمات الأساسية
• التحديات الأمنية والقضائية
• تناقضات الجهاز الحكومي
• العلاقة بين المعارضة والأغلبية
• وضغوط الأزمات اليومية.
في ظل هذا العبء، يصبح الرئيس أقرب إلى مسيّر يومي لدولة معقدة إنه شبيه بمعيل أسرة يذهب من صباح يومه إلى المساء من أجل قوت يومه ، لا قائدًا لمشروع استراتيجي. فلا يتبقى له وقت ولا إطار للتفكير في القضايا الكبرى، ويتحول دور الرئاسة من مركز لبناء القوة إلى جهاز لإدارة الأزمات.

الحكومة والوزير الأول: بين الاستنزاف أو العجز
الوزير الأول، مهما كانت كفاءته، يبقى أسير هذا السياق.
الوزراء الأول الناجح هو من ينغمس في إصلاحات جزئية تستهلك طاقته بالكامل، وتدخله في صراعات مع مراكز النفوذ، بينما يحاول سد فجوات الكفاءة والالتزام داخل الجهاز الإداري .
أما غير الناجح، فيكتفي بتسيير الملفات دون حسم أو متابعة، ويتحول تدريجيًا إلى جزء من المشكلة بدل أن يكون جزءًا من الحل أما بالنسبة للوزراء فإننا نشاهد عدم استقرار مخل بالتراكم وبالفاعلية معدل 10 إلى 11 شهرا للوزير في القطاعات الاقتصادية الرئيسية أي 5 وزراء خلال مأمورية واحدة لكل وزارة إن هذا الوضع بسبب انعدام الرؤية
وفي جميع الحالات ، تبقى النتيجة واحدة:
ضعف في الإنجاز، واستمرار في الارتجال ، وعجز عن تحقيق أي تحول استراتيجي.

البرلمان: تمثيل بلا تأثير
يشكل البرلمان صورة مصغرة لاختلالات المجتمع، حيث يغلب عليه ضعف التكوين السياسي والعلمي، وتتحكم في تشكيله اعتبارات المال والقبيلة والولاءات. ولا تمثل الكفاءات الوطنية فيه إلا نسبة محدودة.
لذلك، يظل دوره محدودًا، غير قادر على القيام بدوره في الرقابة الفعالة أو المساهمة في صناعة السياسات الكبرى.

المؤسسة العسكرية: قوة منظمة بلا مشروع
تُعد المؤسسة العسكرية الأكثر تنظيمًا من حيث الانضباط والولاء، لكنها تأثرت بدورها باختلالات البيئة العامة، وتحولت منذ 1978 إلى فاعل سياسي رئيسي، بسبب الفراغ في الكفاءة المدنية.
ومع مرور الوقت، تسربت إليها أمراض المجتمع من زبونية وامتيازات، وتراجعت عقيدتها من التضحية وبناء القوة إلى البحث عن الموقع والنفوذ، خاصة مع تحولها إلى المصدر الأساسي لإنتاج السلطة السياسية. وقد كان الطموح داخل أفرادها هو مزيد من الأثرة والتأثير السياسي عبر القبيلة والجهة والوظيفة إنه يواجه عملية ترميم جديدة في المعنويات والتحسينات الأخيرة (في الرواتب والتكوين ومحاولات التمهين)، فإنها لا تزال بعيدة عن مستوى القوة العسكرية القادرة على حماية السيادة الاقتصادية والأمنية في عالم متغير .

الموارد: ثروة بلا استراتيجية
يمتلك البلد موارد هائلة: ثروة حيوانية تقدر ب 34 مليون رأس ومع ذلك تستورد الحليب بأنواعه ومشتقاته ، أراضٍ زراعية واسعة وتستورد الخضروات ، ومعادن بمئات المؤشرات دون أن تملك حقيقة كاملة عن واحد متلك المؤشرات مع الحديد ، طاقة هائلة ومادة تحت الأرض وفوقها وتحت البحر ، وشريط ساحلي غني بالأسماك معدل 1300000 طن سنويا .
لكن هذه الموارد أُديرت دون رؤية استراتيجية ودون تحقيق أهداف أساسية مثل:
• نقل المعرفة
• بناء بنية تحتية حقيقية وتحسين الإنتاج
• خلق فرص عمل مستدامة
• تحقيق الأمن الغذائي

بل ظلت خاضعة لسياسات قطاعية متفرقة، يطغى عليها الفساد وضعف الكفاءة وغياب التراكم، مما أدى إلى إهدار فرص تاريخية.

الوضع السياسي: غياب المشروع الوطني
تُدار السياسة غالبًا بمنطق الحسابات الضيقة والمصالح الآنية، لا بمنطق المشروع الوطني طويل المدى ولا بروح التضحية من أجل الوطن. وفي هذا المناخ، يستحيل تحقيق أي تحول حقيقي.
فالتحول لا يتحقق إلا بوجود:
• عقل استراتيجي واضح
• هدف وطني جامع
• طبقة سياسية ناضجة تؤمن بالتغيير
• ثقة متبادلة داخل المجتمع السياسي
• وشروط تنفيذ واقعية ومتكاملة

الوضع الأمني: هشاشة في بيئة خطرة
يتوزع الأمن إلى مستويات مترابطة:
• أمن الدولة وحدودها وقراراتها
• أمن الأفراد وممتلكاتهم
• الاستقرار النفسي والاجتماعي
• والتراكم الأمني عبر الزمن

غير أن موريتانيا توجد في محيط إقليمي شديد التعقيد: منطقة الساحل، مسارات الهجرة، صراعات الطاقة، وتحولات النظام الدولي. وهي عوامل تجعلها عرضة لضغوط خارجية قد تتطور إلى تهديدات مباشرة في عالم تُفرض فيه الحروب أحيانًا على الدول أو تتأثر بأوضاعها وتداعياتها، وهو الوقت الذي لا يكون فيه الحياد كافيًا، ولا الضعف مقبولًا .

فلسفة بناء القوة:
إن الوضع الحالي للبلد يعكس فشلا تاريخيا في إدارة الموارد والمصادر البشرية على نحو يعيق بناءالقوة والتحديث الذي هو مشروع وطن ، لا مشروع انتخابي .إن الرئيس الحالي مهما كانت قدراته فإنه محكوم بأدوات وآلية راكمت الفشل وفي بنية ارتجالية عكسا لما يتطلبه مشروعنا الوطني اليوم :بنية فكرية مستقلة، قادرة على إنتاج رؤية طويلة المدى، بعيدًا عن ضغط اللحظة السياسية.
ومن هنا تنبثق فكرة الهيئة السيادية، باعتبارها أداة لإنتاج التفكير الاستراتيجي، عبر:
• صياغة رؤية وطنية شاملة
• توحيد استغلال الموارد
• استشراف التحديات المستقبلية
• بناء قدرات متعددة (اقتصادية، عسكرية، بشرية)
• تعزيز الجاهزية للأزمات
• وتحقيق الردع الاستراتيجي

بمعنى أدق: هي الآلية التي تحول الدولة من كيان يُدار بسياسات ارتجالية إلى قوة تُبنى.
ومن هنا، تصبح الحاجة إلى هيئة سيادية استراتيجية ليست خيارًا فكريًا، بل ضرورة وجودية لبقاء الدولة نفسها.
يتواصل

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار