الأربعاء
2026/03/18
آخر تحديث
الأربعاء 18 مارس 2026

التعليم في موريتانيا: حلول عملية لبناء الإنسان وصون الهوية

منذ 42 دقيقة
التعليم في موريتانيا: حلول عملية لبناء الإنسان وصون الهوية
سيد محمد ولد أب زيدان
طباعة

يشكل التعليم حجر الأساس لبناء الإنسان والمجتمع. في موريتانيا، لا يقتصر التعليم على المدارس النظامية، بل يمتد أيضا إلى المحاظر التي لعبت دورا تاريخيا في نشر العلوم الشرعية واللغة العربية. وتظل هذه المؤسسات حجر الزاوية في الحفاظ على الهوية الوطنية والدينية.
تمثل المرحلة الابتدائية الأساس الذي تبنى عليه قدرات التلميذ. ولذلك، فإن تحسين ظروف المعلمين المهنية والمعيشية أمر ضروري. ويشمل ذلك زيادة الراتب بما يضمن مستوى معيشيا مقبولا، وتوفير بطاقة نقل مجانية في وسائل النقل العمومي. كما يجب زيادة عدد المراقبين وتطوير آليات عملهم لضمان ضبط النظام داخل المؤسسات التعليمية، بما في ذلك تركيب كاميرات مراقبة داخل وخارج المؤسسات.
بالإضافة إلى ذلك، يساهم فرض لباس محافظ داخل الفضاء المدرسي في خلق بيئة تعلم منظمة وآمنة تعزز الانضباط منذ الصغر.
أما بخصوص المناهج، فينبغي مراجعتها لتخفيف ما يمكن تخفيفه مع التركيز على المواد الأكثر فائدة دون إهمال غيرها. في التعليم الابتدائي، يجب التركيز على اللغات (العربية، الإنجليزية، الفرنسية) والحساب والتربية الإسلامية. أما في التعليم الإعدادي، فينبغي إعطاء أهمية للرياضيات، الفلسفة، المعلوماتية، والفقه. وفي التعليم الثانوي، ينبغي توفير شعب متخصصة تشمل الرياضيات، البيولوجيا، المالية، المعلوماتية، الفلسفة، التقنيات، والتربية الإسلامية. ويجب أن يكون للقرآن الكريم والحديث مكانة خاصة في جميع مراحل التعليم والمسابقات الوطنية.
وفي ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة، لم يعد تطوير التعليم خيارا، بل ضرورة وطنية تفرض التفكير في مبادرات جديدة مثل مدارس النخبة العلمية والمدرسة الوطنية الافتراضية.
يمكن إنشاء مدارس النخبة العلمية لاختيار أفضل التلاميذ في الرياضيات. هذه المدارس تشمل سلك الإعدادي والثانوي، وتختم ببكالوريا الذكاء الاصطناعي. ويتم القبول فيها عبر مسابقة خاصة. ولا يسمح بالمشاركة في هذه المسابقة إلا للطلاب النخبة المتفوقين رسميا في امتحانات مدارسهم، مع إفادة موقعة من إدارة المدرسة ورابطة أولياء التلاميذ تثبت تفوقهم على مستوى المدرسة، وتؤكد أن التلميذ من الثلاثة الأوائل في امتحانات السنة الدراسية.
يركز البرنامج الدراسي في مدارس النخبة، بدءا من المرحلة الإعدادية، على الرياضيات، البرمجة، الذكاء الاصطناعي، اللغة الإنجليزية، والتربية الإسلامية، دون إهمال غيرها من المواد الأساسية. يستحسن أن تبنى لهذه المدارس منشآت عصرية تراعي المستقبل، مع خدمات رقمية وسكن ومطعم وملعب وساحة خضراء.
كما يمكن إنشاء المدرسة الوطنية الافتراضية تحت إشراف مجموعة من المعلمين والخبراء، لتقديم منصة رقمية وطنية تمنح التلاميذ دروسا مبسطة وشروحات مفصلة في جميع المواد الدراسية. تهدف هذه المبادرة إلى الاستفادة من الإنترنت لتمكين جميع التلاميذ، وخصوصا الفقراء وتلاميذ المقاطعات النائية، من الوصول إلى التعليم بشكل متساو، وتقديم دروس تقوية مبسطة جدا تساعدهم على فهم المواد الصعبة بسهولة.
ستعمل المدرسة الوطنية الافتراضية على تقليص الفجوة التعليمية بين المناطق الحضرية والريفية، وتمكين جميع التلاميذ من تطوير مهاراتهم ومعارفهم، مع ضمان استمرار التعلم حتى في الظروف الصعبة أو البعيدة. كما ستساهم هذه المبادرة في رفع نسب النجاح وتقليل نسبة التسرب المدرسي، خاصة التسرب الذي ينجم عن صعوبة الفهم أو النتائج المخيبة، والتي تؤثر سلبا على التلاميذ ومستقبلهم التعليمي.
تلعب الأنشطة التربوية الموازية دورا مهما في تعزيز السلوك المدني وتنمية روح المسؤولية لدى التلاميذ، بالإضافة إلى تطوير مهاراتهم الاجتماعية والشخصية. وتشمل هذه الأنشطة الرياضة، المسرح، زيارة المكتبات والمتاحف، الرحلات التعليمية، والمبادرات التطوعية. ويمكن دمج هذه الأنشطة في برامج التربية المدنية، حيث تساعد التلاميذ على ممارسة القيم والمبادئ التي يتعلمونها نظريا في الصف، مثل التعاون، والانضباط، واحترام الآخرين، والمساهمة في خدمة المجتمع.
وقد لعبت المحاظر عبر قرون دورا محوريا في نشر العلم الشرعي واللغة العربية في موريتانيا، وأسهمت في تخريج أجيال من العلماء والفقهاء.
لا تقل المحاظر أهمية عن المدارس، فهي ليست مؤسسات تعليمية فحسب، بل تمثل رموزا حضارية، وقد تلعب دورا مهما في حماية الأطفال من الانحراف وغرس القيم الإيجابية فيهم. ويشمل تطوير المحاظر إنشاء مؤسسات جديدة في مختلف المقاطعات لتقريبها من الأطفال، مع توفير بنية تحتية مناسبة. كما يجب الحفاظ على أصالتها، مع دمج بعض الأساليب الحديثة لتحسين الأداء التعليمي.
من المهم أيضا أن تؤكد الدولة على ضرورة مراعاة التوافق الثقافي والتربوي في عمل المؤسسات التعليمية الأجنبية الموجودة على التراب الوطني، مثل المدارس الفرنسية والأمريكية وغيرها. ويجب إعادة النظر في تسجيل أبناء البلد في هذه المدارس حفاظا على مستقبلهم من حيث القيم الثقافية والدينية، لأن برامجها ومنهجها والسياسات التعليمية فيها قد لا تتوافق أحيانا مع قيم المجتمع المحلي. وعليه، يستحسن أن تركز هذه المؤسسات على تسجيل الجالية الأجنبية بشكل أساسي.
من يرى المليارات التي تصرفها الدولة في بعض المجالات دون أن يلمس المواطن نتائجها، يعرف أن الاستثمار في المدرسة والمحاظر والمعلم عبر مشاريع بسيطة ومدروسة هو الأكثر فائدة للإنسان والمجتمع والدولة. النجاح في ذلك يضمن تنمية مستدامة وعدالة وسلاما، والباقي تفاصيل.
التعليم في موريتانيا لا ينبغي أن يكون مجرد نقل للمعرفة، بل مشروعا حضاريا لبناء الإنسان القادر على خدمة وطنه. ومع تحسين ظروف المعلمين، وتطوير الخدمات المدرسية والمحاظر، والارتقاء بجودة المناهج، يمكن لموريتانيا أن تؤسس نهضة تعليمية حقيقية تجمع بين الأصالة والمعاصرة. هذا النهج يضمن لأجيالها القادمة مستقبلا مزدهرا، يحافظ على هويتها الثقافية والدينية، ويجهزها لمواجهة تحديات العصر بثقة وعلم.

سيد محمد ولد أب زيدان