متى ستكون موريتانيا "دولة" حقيقية وليست مجرد "كيان"؟
موريتانيا اليوم تواجه معضلة بنيوية متجذرة؛ إنها "كيان" يرمز للدولة شكلياً بحدود وعلم وعملة، لكنها تفتقر إلى "عقل الدولة" والمشروع الوطني الجامع والعقد الاجتماعي الذي يربط المواطن بمؤسساتها.
منذ التأسيس، لم تشهد موريتانيا قراراً مصيرياً واحداً نابعاً من إرادة شعبها الخالصة؛ فالاستعمار فُرض عليها، والاستقلال فُرض عليها — بل إن أغلبية موريتانيي استفتاء 1958 صوّتت للبقاء تحت لواء فرنسا — والديمقراطية فرضت عليها ، نُزِّلت فوقياً قبل أن تترسّخ في الوعي الجمعي.
وعلى هذا الأساس، وُلدت الدولة الموريتانية ككيان يُحاكي شكل الدولة دون أن يمتلك عقلها؛ فكل إصلاحاتها جاءت من رحم "الكيان" لا من رحم "الدولة"، ومن ثمّ نبني ما لا نُحسن استثماره، ونتخذ قرارات لا نُحافظ عليها، وندير مواردنا بعقلية الفرد لا بعقلية المؤسسة. وفي غياب التفكير الاستراتيجي والإطار الزمني، تتحول كل خطة تنمية إلى ورقة حبر تنتهي بانتهاء الحكومة التي أصدرتها .
ولهذا أسس عميقة؛ فكيف نبني وطنا لم يشعر مواطنه أنه شريك في بنائه لا مجرد متلقٍّ لقراراته. إننا اليوم في سبيل بناء وطننا بحاجة، للمرة الأولى، إلى قرار ينبثق من إرادتنا الوطنية الخالصة وإن نعتمد الأسس التي بنت بها الدول دولها وتطورت بها الشعوب وحافظت على توازنها وانتقلت من مراحل التخلف إلى مصاف التطور والقوة .
أولاً: تثمين الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية ضمن استراتيجية وطنية. فموريتانيا تمتلك شريطاً ساحلياً على الأطلسي، واحتياطيات ضخمة من الغاز والمعادن النادرة الحيوية للطاقة والذكاء الاصطناعي، فضلاً عن موقع جيوسياسي فريد. غير أن هذه الثروات تظل مجرد أرقام في تقارير المنظمات الدولية ما لم تُوظَّف ضمن استراتيجية وطنية واضحة المعالم — كما فعلت تركيا حين جعلت من موقعها الجغرافي ورقة ضغط دبلوماسية دائمة.
ثانياً: اختيار حلفاء وشركاء استراتيجيين حقيقيين؛ أي من ينقلون التكنولوجيا ويبنون القدرات ويقفون إلى جانب الدولة في أوقات الأزمات، لا من يكتفون بشراء الموارد ثم يرحلون. فالشراكة الاستراتيجية الحقيقية تُميّزها نقل الخبرة وتدريب الكوادر،فقد اختارت إيران بعناية حلفائها،إنها اليوم دولة قوية ومتطورة وقادرة على الصمود أمام أكبر التحديات ، وهو ما يفتقر إليه كل ما عرفته موريتانيا من "شراكات" تقليدية.
ثالثاً: بناء قدرة تفاوضية تحمي المصالح الوطنية. فالمغرب جعل من اتفاقياته مع 50 دولة ثروة اقتصادية حقيقية أصبح بواسطتها أقوى دولة صناعية وصلت ل 90 مليار دولار وجمع بين السيارات الكهربائية الأوروبية والمحركات الصينية واليد العاملة المغربية في ثورة صناعية متسارعة وقوية جعلت استثمارات الصينية وحدها في المغرب تصل إلى 6 مليارات ، بينما تبدو موريتانيا في مفاوضاتها كمن يبيع الذهب بثمن التراب؛ إذ تمنح اتفاقيات الصيد أساطيل أجنبية حق استنزاف ثرواتها السمكية مقابل مبالغ رمزية، دون العمل على توطين التكنولوجيا أو تأهيل الكوادر الوطنية والاستفادة من اتفاقياتها وشراكاتها كما لايدري أحد جدوائية ولا طبيعة الاتفاقات في مجال الطاقة والمعادن وراء أي باب أبرمت وتحت أي طاولة سلّمت .
رابعاً: اعتماد المرونة الاستراتيجية في إدارة السياسات والتحالفات، بما يُتيح التكيّف مع المتغيرات الدولية دون التفريط في الثوابت الوطنية. والمرونة لا تعني الفراغ الأيديولوجي، بل تعني امتلاك رؤية راسخة تتحكم فيها المؤسسات — كما تفعل الصين في إدارة ملف تايوان بصبر دبلوماسي مدروس فهي قادرة على احتلالها في طرف عين وحصارها ولو بقطع الماء عنها .
إن الانتقال من "الكيان" إلى "الدولة" لا يعني إلغاء ما بُني، بل يعني إعادة هيكلة علاقة الدولة بمواطنيها وبمواردها ومؤسساتها في منظومة يُحكمها التخطيط ويربطها الإطار الزمني. وهذا الانتقال يستلزم مؤتمراً وطنياً شاملاً يُفضي إلى وثيقة استراتيجية مُلزِمة تتجاوز عمر الحكومات، وآلية متابعة مستقلة تحوّل التوافقات إلى سياسات وقوانين وخطط قابلة للقياس ، وقد حان وقته ، إذ تواجه موريتانيا اليوم فرصة تاريخية قد لا تتكرر؛ فإعادة رسم خرائط التحالفات الدولية وتصاعد أهمية الطاقة والمعادن تفتح أمامها نافذة استثنائية لتحديد شراكاتها وتثمين ثرواتها. لكن هذه النافذة مفتوحة لوقت وجيز؛ فعندما تستقر معالم النظام الدولي الجديد : معرفة شكل الغرب النهائي بعد الحرب مع إيران ، وعلاقة أوروبا الاقتصادية بروسيا ومدى اتفاقية "لبريكس "وتموضع دول الخليج ، ستكون الخيارات قد تقلّصت، والدولة المتأخرة في القرار كالمسافر الذي يتردد حتى تُقلع الطائرة دونه.
إن كل دول المنطقة تمتلك اليوم حلفاء استراتيجيين واضحين وترسم مسارها الدفاعي والاقتصادي وفق رؤى بعيدة المدى، بينما تُسند موريتانيا رأسها على تحالفات بالية لم تكن يوماً شراكات حقيقية.
وهكذا فبناء الدولة لم يعد خياراً سياسياً، بل أصبح شرطاً للبقاء؛
إن الانتقال من "الكيان" إلى "الدولة" يتطلب صياغة إطار استراتيجي ينبع من تفكير النخبة والنظام معاً وهذا ما تتطلبه شرعية وطنية واسعة فالحوار المفترض يجب أن يتحول إلى مؤتمر وطني شامل تندمج فيه النخب، ليفضي إلى وثيقة استراتيجية مُلزِمة تتجاوز دورات الحكومات، وتُنشأ لها آلية متابعة مستقلة تضمن تحويل التوافقات إلى سياسات وقوانين قابلة للقياس.
فالتاريخ لا يرحم الشعوب التي تُضيع نوافذ فرصها، والجغرافيا وحدها لا تصنع قوة أمة ما لم تُسندها إرادة وطنية صلبة ومشروع دولة حقيقي، والنخبة التي تقيس الأمور بمنطق الربح والخسارة الضيق لن تفيد بلدها في شيء.
الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار




