السبت
2026/03/14
آخر تحديث
السبت 14 مارس 2026

القرآن وسؤال المعنى: من أزمة الإلحاد المعاصر إلى برهان الوحي (الحلقة الثانية)

منذ 37 دقيقة
القرآن وسؤال المعنى: من أزمة الإلحاد المعاصر إلى برهان (…)
طباعة

القرآن لا يقول للإنسان: آمن لأنك ورثت الإيمان، بل يدعوه إلى البرهان والتفكر:
«أفلا يتفكرون»،
«أفلا يعقلون»،
قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ البقرة، الآية[111].
وهذا الانتقال من سلطة التقليد إلى سلطة البرهان يمثل إحدى السمات الكبرى للخطاب القرآني.
كما أن التصور القرآني للإله يحرر الفكر الديني من التصورات الأسطورية التي سادت في بعض الثقافات؛ فالله في القرآن ليس كائنًا شبيهًا بالبشر، بل هو مبدأ الوجود المتعالي، كما يشير قوله تعالى:
لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ الأنعام، [الآية[103].
وقوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ ۝ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [سورة الاخلاص]
ومن زاوية أخرى، كشف العلم الحديث – رغم طابعه التجريبي – عن حقيقة لافتة، وهي أن الكون ليس فوضى عشوائية، بل نظام بالغ الدقة. فالقوانين التي تحكم حركة المجرات وبنية الذرة تكشف عن انسجام رياضي عميق في بنية الكون.
وقد أدرك بعض المفكرين أن هذا النظام الكوني يصعب فهمه فهمًا كاملًا إذا نظرنا إليه بوصفه مجرد نتيجة للصدفة العمياء، بل يبدو أقرب إلى أن يكون تعبيرًا عن عقل كوني منظم. وهنا يلتقي التأمل العلمي مع الرؤية القرآنية التي ترى في الكون كتابًا مفتوحًا يقرأه العقل البشري.
غير أن القرآن يضيف إلى هذا التأمل بعدًا آخر؛ فهو لا يكتفي بوصف النظام الكوني، بل يربطه بمسؤولية الإنسان في التاريخ. فالإنسان في القرآن ليس مجرد متفرج على الكون، بل كائن مكلّف بإعمار الأرض وإقامة العدل.
ومن هنا نفهم التحدي القرآني الذي يظل أحد أكثر الظواهر الفكرية إثارة للتأمل؛ فالقرآن لم يقدّم نفسه مجرد نص أدبي أو ديني، بل أعلن تحديًا صريحًا للبشر أن يأتوا بمثله.
ولو كان القرآن نصًا بشريًا عاديًا، لكان من الطبيعي أن يظهر عبر القرون ما يضاهيه أو يتفوق عليه.
لكن التاريخ لم يسجل مثل هذا الحدث، رغم أن التحدي كان موجّهًا إلى مجتمع عُرف بعبقريته اللغوية. ومايزال هذا التحدي القرآني الى يوم الناس هذا!! وهنا تتعزز فرضية أن القرآن يمثل ظاهرة معرفية تتجاوز حدود الإبداع البشري المعتاد.
كما أن تحليل الخطاب القرآني يكشف ظاهرة أخرى؛ فالكلام البشري عادة ما يدور حول صاحبه: طموحاته، علاقاته، آلامه وآماله.
أما القرآن فيتجاوز هذا الأفق الفردي ليقدم رؤية كونية شاملة تتحدث عن خلق الكون، وسنن التاريخ، ومصير الإنسان.
وهذا ما يجعل القارئ يشعر أنه أمام خطاب لا ينطلق من تجربة فردية محدودة، بل من أفق يتجاوز الإنسان ذاته.
ومن هنا يمكن القول إن القرآن ليس مجرد نص ديني في تاريخ الأفكار، بل قوة حضارية أعادت تشكيل رؤية الإنسان للعالم، وربطت بين العقل والإيمان، وبين المعرفة والمسؤولية الأخلاقية.
وبذلك يصبح القرآن، في نظر كثير من الباحثين، ظاهرة معرفية فريدة: نص يجمع بين الخطاب الديني، والدعوة العقلية، والرؤية الكونية الشاملة، ويطرح في الوقت ذاته تحديًا معرفيًا ظل قائمًا عبر القرون....
وتأسيسًا على ما سبق، سنحاول في هذه المعالجة أن نتناول براهين جديدة من خلال رؤية خاصة، مستفيدين من المعطيات العلمية والشواهد المتاحة اليوم. غير أننا لن نكتفي بتكرار البراهين التي عُرضت سابقًا ودرسها الباحثون والعلماء، بل سنسعى إلى مقاربة فكرية مختلفة.
فهدفنا ليس ادعاء الإحاطة بالمسألة، وإنما فتح أفق جديد للنقاش، وتقديم مقترحات فكرية قد تسهم في إغناء هذا الموضوع، خاصة إذا تناولها مفكرو العالم بالنقاش والتحليل والتطوير.…
يتواصل....
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.

لمرابط ولد لخديم